فاسعَوا ـ رحمكم الله ـ إلى تحصيلِ أسبابِ حُسنِ الخاتمة ليوفِّقَكم الله إلى ذَلك، واحذَروا أَسبابَ سوءِ الخاتمة؛ فإنَّ الخاتمةَ السيِّئة هي المصيبةُ العظمى والدَّاهيَة الكبرى والكَسرُ الذي لا ينجَبِر والخُسران المبين والعياذ بالله، فقَد كان السَّلَف الصالح يخافون مِن سوءِ الخاتمَةِ أشدَّ الخَوف، قال البخاريّ في صحيحه:"قال ابنُ أبي ملَيكة: أدركتُ ثلاثين من الصّحابة كلُّهم يخاف النّفاقَ على نفسه" (12) [12] ، وقال ابنُ رجب:"وكان سفيان الثّوريّ يَشتَدّ قلقُه منَ السَّوابِقِ والخَواتم، فكان يبكِي ويقولُ: أخاف أن أكونَ في أمِّ الكتاب شَقيًّا، ويبكي ويقول: أخافُ أن أُسلَبَ الإيمانَ عند الموت" (13) [13] ، وقال بَعضُ السلَف:"ما أبكَى العيونَ ما أبكاها الكِتابُ السّابق"، وقد قيل:"إنَّ قُلوبَ الأبرارِ معلّقَةٌ بالخواتيم يقولون: بماذا يُختَم لنَا؟ وقلوبُ المقرَّبين معلّقةٌ بالسوابق يقولون: ماذا سبَق لنا؟"، وكان مالك بن دينار رحمه الله يقوم طولَ ليله ويقول:"يا ربِّ، قد عَلمتَ ساكنَ الجنة والنار، ففي أيِّ منزلٍ مَالكٌ؟" (14) [14] . وكلام السّلَف في الخوف من سوءِ الخاتمة كثيرٌ.
ومَن وقَف على أخبارِ المحتَضَرين عندَ الموتِ وشاهدَ بَعضًا منهم اشتدَّت رغبةُ المسلم في تحصيلِ أسبابِ حُسن الخاتمة؛ ليَكونَ مع هؤلاءِ الموفَّقين لحسنِ الخاتمةِ، فقد شوهِدَ بعضُهم وهو يقولُ: مَرحَبًا بهذهِ الوُجوهِ التي ليست بوجُوهِ إنسٍ ولا جَانّ، وشوهِد من المحتضَرينَ من يَلهَج بِلا إله إلا الله، ومَن كان آخر كلامِه من الدنيا لا إله إلا الله دَخلَ الجنّة، وشوهِد بعضُهم يتلو القرآنَ، وشوهِدَ بعضُهم يُقَسِّم مسائلَ الفرائِض ويتكلَّم في مسائلِ العلم، وقال بعضهم: لا تخَافُوا عليَّ فقد بُشِّرتُ بالجنّة السَّاعَةَ، قال بعضُ أهل العلم:"الخواتيمُ ميراثُ السّوابق".
فكونوا ـ عبادَ الله ـ مَعَ الموفَّقين، فمَن سلك سبيلَهم حُشِر معهم، ولا تسلُكوا سبُلَ الهالِكين المخذولِين الذين خُتِم لهم بخَاتمةِ سوءٍ والعياذُ بالله، قال عبد العزيز بن أبي رَوّادٍ:"حضَرتُ رجلاً عند الموتِ يلقَّن: لا إلهَ إلا الله، فقال في آخر مَا قَالَ: هُو كافِرٌ بهَا، ومات على ذلك، قالَ: فسألتُ عنه فإذا هو مُدمِنُ خمرٍ، وقيل لآخر عند الموت: قل: لا إلهَ إلا الله، فقال: عشَرةٌ بأحدَ عشَر، وكان مرابيًا، وقيل لآخر: اذكُرِ الله، فقال: رِضا الغلامِ فلان أحبُّ إليَّ مِن رِضا الله، وكان يميل إلى الفاحِشَة، وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فقال:"
يا رُبَّ قائِلةٍ يَومًا وقد تَعِبت:…أينَ الطريقُ إلى حمّام منجَابِ؟
وكان خَدَع جَارِيةً تريدُ حمّام منجاب فأدخَلَها داره؛ لأنها تشبِه ذلك الحمّامَ يريد بها الفَاحِشةَ، فهام بها. وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فقال: سيجارَة سيجارَة؛ لأنّه كان يشرَب الدّخَان.
وأَسبابُ سوء الخاتمة كثيرةٌ، مِنها تركُ الفرائضِ وارتكاب المحرَّمات وتركُ الجُمَع والجماعات، فإنَّ الذنوبَ ربما غلَبت على الإنسانِ واستَولَت علَى قلبِه بحبِّها، فيأتي الموتُ وهو مُصِرّ على المعصية، فيستولي عليهِ الشيطانُ عند الموت وهو في حالةِ ضَعفٍ ودَهشَةٍ وحيرة، فينطِق بما ألِفَه وغَلَب على حالِهِ، فيُختَم له بسوء خاتمةٍ.
ومِن أسبابِ سوءِ الخاتمةِ البِدَعُ التي لم يَشرَعها الرسول ، فالبِدعَة شُؤمٌ وشرٌّ على صَاحِبها، وهي أعظم من الكبائرِ، وفي الحديث عن النبيّ: (( يَرِد عليَّ أناسٌ من أمّتي الحَوضَ أعرِفهم، فتطردُهم الملائكةُ وتقول: إنّك لا تَدرِي ماذا أحدَثوا بَعدَك، فأقول: سُحقًا سحقًا لمن غيّر بعدِي ) ) (15) [15] .
ومِن أسباب سوءِ الخاتمةِ ظُلمُ الناس والعُدوان عليهِم في الدّمِ أو المالِ والعرض أو الحقوقِ المعنويّة، وظلمُ النفسِ بنوعٍ من أنواع الشِّركِ بالله تَعالى، قال تعالى: إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام:21] .
ومِن أسباب سوءِ الخاتمة الزهدُ في بذلِ المعروف، وعدَمُ نفعِ المسلمين، والزهد في الدعاءِ فلَم يطلُبِ الخير، قال تَعَالى: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم [التوبة:67] ، وَقَالَ تَعَالى: أَشِحَّةً عَلَى الخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ [الأحزاب:19] .
ومِن أسباب سوءِ الخاتمة الرّكونُ إلى الدنيا وشَهَواتها وزُخرفِها، وعَدمُ المبالاة بالآخرة، وتقديمُ محبّتِها على محبّة الآخرةِ، قالَ الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يونس:7، 8] .
ومِن أسبابِ سوءِ الخاتمة أمراضُ القلوبِ مِنَ الكبرِ والحسَدِ والحِقدِ والغلِّ والعُجبِ واحتقارِ المسلمين والغدرِ والخيانة والمكرِ والخداع والغشّ وبُغضِ ما يحبّ الله وحبِّ ما يبغِض الله تعالى، قال الله تَعالى: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:87-89] .
ومِن أسبابِ سوءِ الخاتمةِ عقوقُ الوالدين وقطيعةُ الأرحام.
ومِن أسبابِ سوءِ الخاتمة الوصِيّة الظالمةُ المخالِفَة للشَّرع الحنيفِ.
قال الله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281] .
أقول قولي هَذَا، وأستغفِر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفروه إنه هو الغَفورُ الرَّحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ لله مُعزِّ من أطاعه واتَّقاه، ومذِلِّ من خالَف أمره وعصاه، أحمد ربّي وأشكرُه على ما أسبغ من نعَمِه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، لا إِلهَ سِواه، وأشهَد أنَّ نبيَّنا وَسَيّدنا محمّدًا عَبدُه ورَسُوله اصطَفاه رَبُّه واجتَبَاه، اللّهُمّ صَلّ وسلِّم وبَارِك على عبدك ورسولك محمّد، وعلى آله وصحبه ومَن والاه.
أمّا بعد: فاتقوا الله تعالى بلزومِ طاعاته ومجانبةِ محرَّماته؛ تنجُوا من عذابه، وتفوزوا بجنَّاته، قال تَعَالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان:33] ، وعَن ابنِ مَسعودٍ رَضِي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسول الله: (( والَّذي نفسي بيدِه، إنَّ أَحدَكم ليعمَل بعملِ أهلِ الجنّة حتى ما يكون بينَه وبينها إلا ذِراع، فيسبِق عليه الكِتاب، فيعمل بعمَل أهل النار فيدخُلها، وإنَّ أحدَكم ليَعمَل بعمل أهلِ النّار حتى ما يكون بينَه وبينها إلا ذِراع، فيسبِق عليه الكِتابُ، فيعمَل بعمل أهلِ الجنّة فيدخلها ) )رواه البخاريّ ومسلم (16) [1] .