كما أفلح غيرُهم في سلخِ قطاعٍ آخرَ من الأمة , ونجحوا في إلهائِه بالهوايات التافهة , والمسابقاتِ الفارغةِ , والبرامجِ السخيفة , فأضاعوا أعمارَهم وبدَّدوا أوقاتهم , وهم يركضونَ خلفَ السراب , ويدرون في حلقٍ مفرغة , حيارى تائهون , سُكارى يترنحون , يعيشونَ بلا مبدأ , ويحيونَ بلا قضية , هُمِّشت أدوارُهم , وسُكِّرت عقولُهم , فهم في غيِّهم يترددون .
أيها المسلمون:
هؤلاء بعض صنَّاع واقعنا الكئيب , ومد بروا أوضاعنا البائسة , ونكباتِنا المستمرة . فماذا نصنعُ أمامَ هذه الجحافل من المتأخرين ؟! وبماذا نواجه هذا الركامَ الضخمَ من البؤسِ والمعاناة ؟! أترانا نكتفي بالحوقلة والترجع , وندبِ الزمانِ البائسِ المنكود ؟! .
أتُرانا ننهزمُ ونيأس تحتَ ضغطِ الواقعِ الكئيب , ونرفعُ الرايةَ البيضاء إيذاناً بالاستسلام, وإعلاناً للانسحاب ؟! وهل يكون تكالبُ الأحزاب علينا ورميُهم إيانا عن قوسٍ واحدةٍ , مُسوغاً للفرار , ومُبرراً لتركِ الساحة لمكرهم ولكيدهم ؟! وفجورهم وفسقهم ؟! . إنَّ الذي يفكرُ مجردَ التفكير , بوضع رايته , وإعلانِ هزيمته , جاهلٌ أحمق , أنانيٌ بطبعه , غبيٌ في عقله , محدودٌ في أُفقه , لم يقرأ القرآن , ولم يتأملْ السنة , ولم يتصفحِ التاريخ , يعبدُ الله على حرف فإنْ أصابهُ خيرٌ اطمأنَّ به , وإن أصابته فتنةٌ انقلب على وجهه . لم يقرأ قوله تعالى: (( وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) )]آل عمران: 20 [1 , ولم يقرأ كذلك قوله: (( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْدا ً* فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ) )] الطارق:15-17 [ , ولم يقرأ قوله كذلك: (( فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) )] القلم:44-45 [ , ولم يسمع قولَ نبيه عليه الصلاة والسلام وهو يقول: (( لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خَذَلَهُم حتى يأتَي أمرُ الله ) )[2] .
ولم يفهم قوله عليه الصلاة والسلام: (( بدأ الإسلامُ غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء ) ) [3] .
وفي رواية للترمذي (( الذين يُصلحون ما أفسَدَ النَّاس من بعدي من سنتي ) ) [4] . ولم يسمع نبيَّهُ عليه الصلاة والسلام , وهو يحدثٌ بلغة الواثق: « ليبلغنَّ هذا الأمرُ - أي هذا الدين - ما بَلَغَ الليلُ والنهار ولا يتركُ الله بيتَ وبرٍ ولا مدر , إلا أدخلهُ اللهُ الإسلام , بعزِّ عزيز , أو بذلِّ ذليل , عزاً يعزُ الله به الإسلامَ وأهلَه , وذلاً يذلُّ اللهُ به الكفرَ وأهله )) [5] .
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ونفعني وأيا كم بالذكر الحكيم .واستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله يعطي ويمنع, ويخفض ويرفع, ويضر وينفع, ألا إلى الله تصيرُ الأمور. وأصلي وأسلم على الرحمةِ المهداة, والنعمة المسداة, وعلى آله وأصحابه والتابعين,
أما بعدُ:
أخي المسلم:
فإذا أيقنت أنَّ العاقبة للمتقين , وآمنتَ بكلام ربِّ العالمين , وصَدَّقتَ بحديث نبيِّك العظيم , فحاشاك أن تخضعَ لكيدِ الكائدين , ومكرِ الماكرين , وحاشاك أن ترضخَ لأهوائهم , أو تركعَ لطغيانهم , وحذاري أن تخيفكَ صولةُ الباطل , وانتفاشة الطاووس , وتذكر قوله تعالى: (( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) )]الأنبياء: 18[ .
ألا إن الغيورين من أبناء أمتنا , مطالبون بالذبِّ عن حرمات الدين بشجاعة , والذود عن عرينه بقوة , ونُصرتِه بالنفسِ, والمال,ِ والجهد .
ألا إن نصرةَ الدين ليست دعاوى ألسنة , إنَّ نصرة الدين جهادٌ وفداء , وبذلٌ وعطاء , ودموعٌ ودماء , وجروحٌ وأشلاء , وتعبٌ ونصب , وعرقٌ ووصب , (( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) ) (البقرة:214)
(( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) )] آل عمران:142-144 [ , (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) )] آل عمران:200[ .
(( الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) )]العنكبوت:1-3[ .
(( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ * وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ * وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ * وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ * سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) )]الصافات:171-182[.
أيها المسلمون:
لقد حُفتِ الجنةُ بالمكاره , وحفتِ النارُ بالشهوات , فلا مفرَّ من التحديات الكثيرة ، والمشاقِّ الكبيرة , وكانَ لزاماً أن نصطدمَ بالعقبات الكؤود , والحواجزِ المتناثرة , وكان بد هياً أن نجدَ الطريقَ محفوفاً بالمخاطر , مليئاً بالأشواك , مزدحماً بالأعداء . ألا فليعدَّ الفارسُ للأمر عدَّته , وللجدِّ أهبتَه , وليهيأ النفسَ لمجابهة الصائل , فإنه ما دعا إلى الحقِّ داعٍ إلا عودي في ذات الله , وحُورب في جنب الله , وفي هذا يقول الله تعالى: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً ) )]الفرقان:31[ .
ألا فلينظرْ كلُ واحدٍ منَّا مواضعَ النبوغِ لديه , ومواقعَ الإبداعِ في نفسه , فيزكيها ويرعاها , ويستغلها بذكاء, ويطوَّعها بدهاء , لخدمة الدين , والذبِّ عن الملَّة , فكلٌ ميسرٌ لما خلق له , ومجالاتُ الدعوةِ واسعةٌ كثيرةٌ , والأمةُ بحاجةٍ إلى كلِّ الطاقاتِ الخيرةِ , متلهفةٌ لكلِّ الإبداعاتِ المخلصة . ومن جاهدَ بيده فهو مؤمن , ومن جاهدَ بلسانهِ فهو مؤمن , ومن جاهدَ بقلبه فهو مؤمن, وليسَ وراءَ ذلكَ من الإيمانِ حبةُ خردل .
اللهم إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوقُ إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،