فهرس الكتاب

الصفحة 8520 من 9994

إنّ الخائف- أيها المسلمون- الذي يرجو ما عند الله ، هو الذي يكف نفسَه عن القبائح ، والمكروهات ، ويحاسبُ نفسَه على الخطرات، والخطوات ، ويخشى أن يُفجأه الموت وهو على أسوأِ الحالاتِ ، بل إنَّه مع ذلك يجتهد في عملِ الصالحاتِ ، ويستغل أوقاتَه في عمل الخير قبل الفوات . قال الإمام أحمدُ - رحمه الله -:"سبحانك ما أغفلَ هذا الخلقَ عما أمامهم ، الخائفُ منهم مُقَصِّرٌ ، والراجي مُتَوانٍ"، وقال ابن عبد البر - رحمه الله - في كتابه"بهجة المجالس": كان يُقال: من خاف اللهَ ورجاهُ ، أمنه خوفَه ، ولم يُحرمْه رجاهُ . نسأل الله تعالى أن يجعلَنا من الذين يرجون رحمته ، ويخافون عذابه ، ونسأله تعالى العفوَ والعافيةَ في الدنيا والآخرة .

أقول قولي هذا واستغفر اللهَ.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين ، الرحمنِ الرحيمِ ، مالك يوم الدين ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له ، جعل العاقبةَ للمتقين ، ولا عدوانَ إلا على الظالمين ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ، خيرُ من جمع بينَ الخوفِ والرجاءِ ، وهو إمامُ المُتّقين ، وسيدُّ المُرسلين ، صلواتُ الله وسلامُه عليه ، وعلى آله وأصحابه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

أما بعد:

فيا أيها المسلمون

اتقوا الله تعالى ، (( وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ) ) (سورة البقرة:281)

معشر المسلمين

لقد جمع اللهُ بين الخوفِ والرجاءِ ، ليكونَ المؤمنُ معتدلاً في سيره إلى اللهِ ، والدارِ الآخرةِ ، قال تعالى: (( إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ) (سورة الأنعام: 165) .

قال ابن كثير- رحمه الله -: في هذه الآية ترهيبٌ وترغيبٌ ، أنَّ حسابَه وعقابه سريعٌ ، فيمن عصاه وخالف رُسُلَهُ ، وإنه لغفور رحيم ، لمن والاه واتبع رسله فيما جاؤا به من خير وطلب ، ثم قال: جعلنا الله ممن أطاعه فيما أمر ، وترك ما عنه نهى وزجر ، وصدقه فيما أخبر إنه سميع مجيب الدعاء [2] ،

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لو يعلمُ المؤمنُ ما عندَ اللهِ مِنَ العقوبةِ ما طَمَعَ بجنّتِهِ أحدٌ ، ولو يَعلمُ الكافرُ ما عندَ اللهِ من الرَحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أحدٌ ) )رواه مسلم . نسأل الله رحمته .

وقال بكر بن عبد الله المزني _ رحمه الله- في يوم جمعة:"لو قيل لي خذْ بيد خيرِ أهلِ المسجدِ ، لقلتُ دُلُّونِي على أنصحهم لعامتهم ، فإذا قيلَ هذا أخذتُ بيده ، ولو قيل لي خذ بيد شرهم ، لقلتُ دُلُّونِي على أغشِّهم لعامتهم ، ولو أن مناديًا نادى من السَّماء: إنَّه لا يدخلُ الجنَّة منكم إلا رجلٌ واحدٌ ، لكان ينبغي لكل إنسانٍ أنْ يَلْتَمِسَ أنْ يَكونَ هو ، ولو أنَّ مناديًا نادى: إنَّه لا يدخل النارَ مِنكم إلا رجلٌ واحدٌ لكانَ ينبغي لكلِّ إنسانٍ أنْ يَفْرِقَ أنَ يكونَ ذلك الواحد [3] ."

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( يقول الله تعالى: يا آدم فيقول: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ والخيرُ في يديك ، فيقول: أخرجْ بعثَ النارِ قال: وما بعثُ النارِ ؟ قال: مِنْ كُلِّ ألفٍ تسعَمائة وتسعةً وتسعين ، فعنده يَشيبُ الصغيرُ ، وتضعُ كلُّ ذاتِ حملٍ حملَها ، وترى الناسَ سكارى، وما هم بسكارى ، ولكن عذاب الله شديد ، قالوا يا رسول الله: و أيُّنا ذلك الواحد ، قال: أبشروا ، فإنّ منكم رجلاً ومن يأجوج و مأجوج ألفٌ ، ثم قال: والذي نفسي بيده أرجو أنْ تكونوا ربعَ أهلِ الجَنَّةِ ، فكبرنا ، فقال: أرجوا أنْ تكونوا ثلثَ أهلِ الجَنَّةِ ، فكبرنا ، فقال: أرجوا أن تكونوا نصفَ أهلِ الجَنَّةِ ، فكبرنا ، فقال: ما أنتم في الناسِ إلا كالشعرةِ السوداءِ في جلدِ ثورٍ أبيضَ ، أو كشعرةٍ بيضاءَ في جلدِ ثورٍ أسودَ ) )رواه البخاري ومسلم .

نسأل الله تعالى أنْ يجعلنا من الذين يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار ، اللهم اجعلنا من الذين يرجون رحمتك ، ويخشون عذابك ، ونسألك اللهم عفوك ، وغفرانك ، ورحمتك ، ورضوانك يا ربَّ العالمين .

عباد الله

(( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) ) (سورة الأحزاب: 56) .

اللهم صلّ وسلم على عبدك ، ورسولك نبينا محمد ، وارضَ اللهمَّ عن الصحابة أجمعين ، وعن التابعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وعنا معهم بعفوك ، وإحسانك ، ورحمتك يا أرحم الراحمين ،

اللهم أعزّ الإسلامَ وانصرِ المسلمين وأذلّ الشركَ واخذل المشركين ، ودمِّر أعداءَك أعداءَ الدينِ ، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا ، وسائرَ بلادِ المسلمين ، اللهم أصلحْ ولاةَ أمرِنا وولاةِ أمورِ المسلمينَ ،

اللهم وأصلح بطانتهم ومستشاريهم ، اللهم ووفِّقْ مُخلصَهم ، وادحر مُبْطِلَهم ، اللهم احفظْ علينا أمنَنا وإيمانَنا ، واسترْ عوراتِنا ، وآمن روعاتٍنا ، وأعذنا اللهم من غلبةِ الدينِ ، وقهرِ الرجالِ ، وشماتةِ الأعداءِ ، ونسألك اللهم خشيتَك في الغيبِ والشهادةِ

[1] تفسير القرآن العظيم 2 / 553 .

[2] تفسير القرآن العظيم 2 / 200 .

[3] نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء 1 / 439 .

صالح بن فوزان الفوزان

الرياض

البساتين

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

حال العبد بين الخوف والرجاء , ومنهج القرآن في ذلك , وسِرُّه - الأمر بالخوف والخشية من الله , وما هو الخوف المحمود - أنواع الرجاء , وعلامة الرجاء المحمود - الأمور الجالبة للخشية من الله , وعلامة ذلك - وجوب المبادرة بالتوبة والاستغفار

الخطبة الأولى

أما بعد:

أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وتدبروا كتاب الله فقد حثكم على فعل الطاعات وبين لكم ثوابها وثمراتها لتكثروا منها، ونهاكم عن المعاصي وبين لكم عقابها و آثارها الضارة لتحذروا منها وتجتنبوها، كما أنه وصف لكم الجنة وما فيها من النعيم والفوز المقيم لتعملوا لها، ووصف لكم النار وما فيها من العذاب الأليم والهوان المقيم لتتركوا الأعمال الموصلة إليها، وهكذا كثيرًا ما نجد آيات الوعد إلى جانب آيات الوعيد. وذكر الجنة إلى جانب ذكر النار، ليكون العبد دائمًا بين الخوف والرجاء. لا يأمن من عذاب الله ولا ييأس من رحمة الله، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ هُم مّنْ عَذَابِ رَبّهِم مُّشْفِقُونَ

محبة الله بين الخوف والرجاء

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

محبة الله عز وجل واقترانها بالخوف والرجاء , وطبيعة المحبة الخالية من هذين المقامين وسوء أدب أصحاب هذه المحبة - سر ابتلاء يونس عليه السلام - عدم الاغترار والثقة بالنفس وعملها والخوف من عدم قبوله , وحال الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة - الأسباب الجالبة لخشية الله - الخوف من حرمان التوبة

الخطبة الأولى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت