فهرس الكتاب

الصفحة 8513 من 9994

والمسلمُ يستشعرُ قيمةَ الزمنِ ، وأهميةَ الوقتِ من آي القرآنِ الحكيمِ، فاللهُ قد أقسمَ في كتابِهِ أكثرَ مِنْ مَرَّةٍ بِالوَقْتِ ، وله أنْ يَقسِمَ بَمَا شاءَ لكنَّهُ لا يَقسمُ إلا بعَظيمٍ يَستَحِقُ القَسَمَ .

قال تعالى: (( وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ* وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ* هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ ) ) (سورة الفجر: 1-5) .

ومعَ مَا قيل في تأويلِ الفجرِ ، والليالي العشر، والشفع والوتر والليل، فالذي يُلفتُ النَّظَرَ، أنَّ هذا القسمَ لِعَظَمتِهِ ، وأهميةِ المُقسَمِ بِهِ إنَّما هو لأصحابِ العُقُولِ الذِيْنَ ، يَعْقِلونُ مَا يَسْمَعُونَ ، ويستفيدون مما يعلمون (( هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ ) ).

وإنَّما سُمِّيَ العقلُ حجراً لأنَّه يَمْنَعُ صاحبَهُ من تَعاطِيْ مَالا يَليقُ بِهِ من الأفعالِ والأقوالِ ، وهذا القسمُ هو بأوقاتِ العبادةِ ، وبنفسِ العِبادةِ ، من حجٍ ، وصلاةٍ ، وغيرِها، كما يقولُ المفسرون [1] .

وقال تعالى: (( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى* وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى* وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ) ) (سورة الليل: 1، 4) .

وهل الليلُ والنهارُ إلا مَراكبُ يَختلفُ الناسُ في سبلِ الانتفاعِ بهما ، فمغبوطٌ يستثمرُها في طاعةِ اللهِ ، ويزرعُ فيهما ما يَبلغُهُ إلى اللهِ ، ويسعدُ يوم لقاءِه ، ومَغبونٌ مُضيعٌ لساعاتِ الليلِ والنهارِ، مُفرِطٌ على نفسِه، يَحملُ الأوزارَ التي تثقلُ كاهلَه يوم العرضِ على اللهِ ، وصَدَقَ اللهُ: (( إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ) ) (سورة الليل:4) .

ويُقسمُ اللهُ مرةً ثالثةً بالدهرِ فيقولُ: (( وَالْعَصْرِ* ِإِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) ) (سورة العصر) .

والعصرُ هو الزمانُ الذي يَقعُ فيه حَركاتُ بني آدمَ مِنَ خيرٍ وشرٍ ، واللهُ تعالى يُقسِمُ أنَّ بَنِيْ الإنسانِ كُلَّهُم في خِسَارَةٍ، وهَلاكٍ إلا مِنْ اسْتَثْمَرَ وقتَهُ، واستنفدَ عمرَه في عملِ الصَّالِحَاتِ [2] .

كما أقسم تعالى بالضحى والليل.

إخوةَ الإسلامِ

يهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم بسنتيه القولية، والفعلية إلى استثمارِ الوقتِ بِمَا يَنْفَعُ ،ويَحذرُ من إضاعةِ الأوقاتِ سُدى فيقول: (( نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فيهما كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ: الصحة والفراغ ) ) [3] .

وتأملْ قولَهُ: (( كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ) )!

والمعنى أنَّ الذي يُوفِقُ لاستثمارِ هاتين النِّعْمَتَينِ بما يَنفعُ قَلِيلٌ.

قال ابنُ الجوزي: قد يكونُ الإنسانُ صحيحاً، ولا يكونُ مُتفرغاً لشُغلِهِ بالمعاشِ ، وقد يكونُ مستغنياً ، ولا يكونُ صَحِيحاً، فإذا اجتمعَا فَغَلِبَ عليه الكُسَلُ عَنْ الطَّاعَةِ فهو المغبون، وتمامُ ذلك أنَّ الدُنيا مَزْرَعَةُ الآخرةِ ، وفيها التَّجارةُ التي يَظهَرُ ربحُها في الآخرة، فمن استعمل فراغَه وصحتَهُ في طاعةِ اللهِ فهو المغبوطُ، و من استعملها في معصيةِ اللهِ فهو المغبونُ ، لأنَّ الفراغَ يَعقبُه الشُغلُ ، والصحةَ يعقبُها السقمُ، ولو لم يكن إلا الهرمُ كما قيل.

يسرُّ الفتى طولُ السلامة و البقا فكيف ترى طولَ السلامةِ يفعل

يرد الفتى لمجد اعتدال وصحة ينوء إذا أمَّ القيامَ و يحمل [4]

ولقد كانَ استثمارُ الوقت أحدَ نصائحٍه، وضمنَ مواعظِه عليه الصلاة والسلام لأصحابِه يقول- وهو الناصحُ الأمينُ- لرجلٍ وهو يعظه: (( اغتَنِمْ خمساً قبل خَمْسٍ: شبابَك قبل هرمِك، وصحتَك قبلَ سقمِك، وغناكَ قبل فَقْرِك، وفِراغَك قبلَ شُغلِك، وحياتَك قبلَ موتِك ) ) [5] .

فإذا كانت تلك طائفةً من سنته القولية ، فيكفي أن ينظرَ اللبيبُ فيما عَمِلَ وخلف في مدة لا تتجاوزُ ثلاثة وعشرين عاماً، لقد أخرج اللهُ به الناسَ من الظلمات إلى النور، علم العلم وفاق غيره في العمل، وزرع الخيرَ واقتلع جذورَ الشرِ، جاهد في الله في كل ميدانٍ ، وخلَّفَ أجيالاً تحمل مشاعلَ النور والهُدى من بعده.

أيها المسلمون

يكفيكم أنْ تَطلعوا على نماذجَ من سيرِ أصحابه لتروا كيف كانوا يعملون، وكيف كانوا لأوقاتِهم مُستثمرين، وفي ذلك إجابةٌ لمنْ لازالوا حائرين في استثمارِ الأوقاتِ، متطلعين إلى نماذجَ راشدةٍ في ملءِ الفراغِ ، وبماذا تُقضى الأوقاتُ ؟

وإذا كانت العبادةُ الحقةُ لله ربِّ العالمين هدفَ الوجودِ في هذه الحياة امتثالاً لقوله تعالى: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ) (سورة الذاريات:56) .

فقد ضربَ الصحابةُ - رضوان ا لله عليهم - أروعَ الأمثلة في استثمارِ الوقتِ فيها فالصلاةُ - مثلا- لا يُشغلُهم عنها شاغلٌ ، ولا يصرفُهم عنها صارفٌ ، حتى ولو كانوا في ساحاتِ الوَغى، ولا تسألْ عن حُسْنِ صَلاتِهِمْ ، وطولِ قراءتِهم ، وقيامِهم وركوعِهم وسجودِهم وخشوعِهم، حتى أُطلِقَ على بعضِهِمْ السُّجاَدُ (محمد بن طلحة بن عبيد الله) لعبادتِه وتألِهه [6] .

وبلغَ الحرصُ بهم في المحافظةِ عليها مع جماعة المسلمين ، إذا أحدُهم إذا فاتته العِشاءُ في الجماعةِ أحيا بقيةَ ليلتِه كما ثبت عن ابن عمروٍ - رضي الله عنهما [7] .

وفي الصيامِ لهم أخبارٌ، وأحوالٌ تراها النفوسُ الضعيفةُ ضرباً من الخيالِ ، ففي ترجمة أبي طلحة الأ نصاري رضي الله عنه (( أنَّه كان يسردُ الصومَ ، وأنَّه كان لا يَفطِرُ إلا في سفرٍ أو مرضٍ ) ) [8] .

إخوةَ الإيمانِ

مما يستثمر الصحابةُ رضوان الله عليهم به أوقاتَهم تلاوةُ كتاب الله، تعلماً وتعليماً وعملاً ، فهذا ابن مسعود رضي الله عنه يسأل عنه عليٌّ رضي الله عنه فيقول قراءُ القُرآنِ ، ثم وقف عنده وكفى به [9] .

وفي رواية أخرى: وعلمُ السُنَّةِ وهو القائل: (( كان الرجلُ منا إذا تَعلَّم عشرَ آيات لم يجاوزهن حتى يَعرفَ معانيهن ، والعملَ بهن ) ) [10] .

وكانوا يعقدون لتعليمِ القرآن الحلق، وتمتلئ المساجد بالمتعلمين ولا تكاد تخلو من القائمين به في ساعاتِ الليلِ والنهارِ، وأَنعِمْ بكتابِ الله رفيقاً، وأَكْرِمْ ببيوتِ اللهِ مَوئِلاً.

وكان القومُ جادين في حياتِهم ، مستثمرين لأوقاتِهم كذلك في بيوتهم، فهذا نافع - رحمه الله يُسألُ: (( ما كان يصنعُ ابنُ عمرَ في منزلِه ؟ قال: لا تطيقونَه: الوضوءُ لكلِّ صلاةٍ ، والمُصحَفُ فيما بينهما ) ) [11] .

عبادَ اللهِ

يا من ترومون نهجَ السلف، وتريدون الاقتداءَ باستثمارِ الأوقاتِ بما ينفعُ، فقد كان للعلم والتعليم بكل عامٍ نصيبٌ وافرٌ من أوقاتِ العارفين، ومع ما كانوا فيه من عبادةٍ خاصةً ، فقد كانوا يؤثرون الناس على أنفسِهم، ويَجلسون لتعليمِهم إذا احتاجوا إليهم ، ويعتبرون ذلك ضرباً من العبادةِ يتقربون بها إلى خالقِهم كما رُوي عن أبي بن كعب رضي الله عنه [12]

وحين يَرِدُ الاختلافُ بينهم فيما يقرؤون من أجلِ التعليمِ يَنتهِي في وقتِه، لأنَّ الحقَّ رائدُهُم، وهذا أبي بن كعب _ رضي الله عنه - كان يقرأ قوله تعالى: (( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) ) (سورة الفتح:14) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت