فهرس الكتاب

الصفحة 8482 من 9994

نعمة عظيمة، كبيرة جليلة لا تُشترى بالأموال، ولا تُبتاع بالأثمان، ولا تُفرض بالقوة الضاربة، ولا بالأساطيل والطائرات والمخابرات، وإنما هي نعمة ومنَّة، ومنحة من رب الأرض والسماء، سبحانه وتعالى يمتنّ بها على عباده في مواطن عديدة من كتابه، إنها نعمة الأمن في الأوطان، قال تعالى: (( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ *الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ) ) (سورة قريش: 3,4) .

وقال سبحانه: (( أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) ) (القصص: 57) .

وقال سبحانه وتعالى: (( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ) ) (العنكبوت: 67) .

نعمة الأمن أيها الأحباب نعمة عظيمة، بها يأمن الإنسان على نفسه، وعلى أهله، وعلى عرضه، وعلى حرماته، وعلى تجارته، وعلى أمواله، وعلى جميع مرافقه ومكتسباته، ولا تتبيّن هذه النعمة إلا إذا فقدها الناس.

أيها الأحباب:

والناس في هذه البلاد - بحمد الله- لم يعرفوا الخوف يوماً من الأيام ماعدا أيام مضت، ولذا قليل من الناس من يُقدِّر هذه النعمة، ويعرف حقّ قدرها، ويعرفها حقّ معرفتها؛ لأنهم وُلدوا في النعمة، ودرجوا في نعمة الأمن، وتربّوا عليها وترعرعوا؛ فأصبحوا لا يُدركون قيمتها و أهميتها؛ وإنما يُدرك عظمة هذه النعمة، وخطورة الأوضاع التي تسودها المخاوف والقلق، والفزع والحروب والفتن. إذا ما سافر إلى بلاد تسودها الحروب، ويرفع الأمن عنها أطنابه، ويطوي رواقه؛ فتراها عامرة بالحروب والفتن، والفزع والمخاوف. إذا عاش في تلك البلاد عرف نعمة الأمن، التي يعيشها منذ أن وُلد في بلده.

أيها الأحباب:

في بلاد لا يضرب الأمن فيها أطنابه، ولا يمدّ فيها رواقه؛ لا تستقيم الحياة، ولا تصلح المعيشة، فأيُّ سعادة في بلادٍ يسودها الحروب والمحن! و يختنق فيها الناس بدخان الانفجارات، وأزيز الطائرات! وضرب القنابل والمتفجرات! و يُصطاد البشر في أفواه الطرق، كما تُصطاد الحيوانات؟! ما قيمة البلاد التي لا يأمن الإنسان فيها على عرضه؟ والتي يرى حرماته تُنتهك، تُؤخذ بنته، أو أخته، أو زوجته ويُفعل فيها الفاحشة أمام عينيه، جهاراً نهاراً ولا يستطيع أن يُنكر أو يرفع شفة عن شفة ؟!!

أيها المسلمون: إن نعمة الأمن نعمة عظيمة، لا تُقدّر بثمن ولا تُشترى بمال، ولا تُقّدر بحساب، وكيف يستطيع الإنسان أن يذهب إلى بيت ربه آمناً مطمئناً؟!! كيف تُؤمن السبل إلى بيت الله الحرام للحج والعمرة؟!! كيف يأمن الإنسان على نفسه، وعلى أهله وماله وحرماته؟!! كيف يبسط الإنسان تجارته للبيع والشراء؟!! كيف يخرج و معه ماله ودراهمه إلا في جوٍّ عامرٍ بالأمن والاطمئنان في الأوطان !!

أيها الأحباب:

ينبغي أن يسأل كل مسلم نفسه هذا السؤال: تُرى لماذا يبدِّل الله على الأقوام الأحوال؟ لماذا يَسِمهم بالخوف والهلع ؟!! والجواب في كتاب الله عز وجل واضح صريح، وهو أن نعمة الأمن كغيرها من النعم؛ إنما تتحقّق بعبادة الله عزوجل وطاعته، عبادته حق العبادة، وطاعته حق الطاعة، وبمراعاة أوامر الله عز وجل في كل شيء، وبتقوى الله سبحانه وتعالى؛ فإنَّ تقوى الله سبحانه وتعالى إذا كانت صادقة من القلب، منعكسة على الجوارح وعلى جميع تصرفات الإنسان؛ كفيلة بتحقيق كل نعمة، وبتخلّص البشر من كل شدّة، ومن كل كربة، وبتحويل الخوف أمناً، يقول عز وجل: (( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ) ) (الطلاق: 2) .

قال سبحانه وتعالى: (( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ) ) (الطلاق: 4) .

وقال سبحانه وتعالى: (( فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) ) (الأنعام: 81,82) .

نعم أيها المسلمون الإيمان بالله، بالأقوال والأفعال، والتصرفات والخواطر والنيات؛ سبب لكل خير ونعمة وعافية، ومن ذلك نعمة الأمن. وسبب لصرف كل بلاء وعقوبة وشدة، ومن ذلك بلاء الخوف، وغيره من البلاء والعقوبات، والكوارث والنوازل: (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) ) (سورة النور:55) .

هذا كتاب الله ينطق بالحق، أنزل الكتاب علينا، وعلى الناس قبلنا وبعدنا إلى قيام الساعة.

هذا كتاب الله

أيها المسلمون:

ينبغي أن نفتح له الآذان، ونُصغي له القلوب، ينبغي أن نتدبّره ونتأمّله، ما أُنزل القرآن على محمد صلى الله وعليه وسلم وعلى الصحابة فحسب؛ وإنما أُنزل على الناس جميعاً إلى قيام الساعة: (( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ) ) (ص: 29) .

فينبغي معاشر الأحباب أن نتدبّر القرآن: (( وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ) )ما الشرط ؟ (( يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) ) (ص:29) .

أيها المسلمون:

يقول الله عز وجل: (( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ) ) (الرعد: 11) .

ويقول سبحانه وتعالى: (( ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ) (الأنفال: 53) .

فما الذي غيّر نعمة الأمن علينا؛ إلا المعصية التي يعيشها كثير من الناس في أنفسهم، وبيوتهم، وأسواقهم، وأعمالهم، وميادينهم الخاصة والعامة، وكثير من أحوالهم وتصرفاتهم وتقلّباتهم، فإذا أردنا أن يرفع الله عزوجل عنّا الخوف فعلينا بعبادة الله، وعلينا بالتوبة الصادقة الناصحة، وعلينا الإنابة والرجوع إلى الله عز وجل. يقول الله سبحانه وتعالى: (( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ) ( النور: 31) .

نعم أيها الأحباب إن التوبة الصادقة سبب لرفع كل بلاء وشدة، سبب لإعادة الأمن بعد ذهابه، سبب لدفع المخاوف والفزع، سبب لردّ الأعداء وكبت كيدهم وردّه في نحورهم، يقول الله سبحانه وتعالى: (( وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ) (الأنفال: 33) .

أيها المسلمون:

إن البلاء إذا نزل بقوم لا يُرفع إلا بتوبة كما قال علي رضي الله عنه وأرضاه-: (ما نزل بلاء إلا بذنب وما رُفع إلا بتوبة ) .

بل قال ربنا سبحانه وتعالى: (( مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ) ) (النساء: 79) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت