وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) . (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء:1) . (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب:70-71) .
أما بعد: فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله , وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ r وشرَّ الأمورِ مُحدثاتُها , وكلَّ محدثةٍ بدعة , وكلَّ بدعةٍ ضلالة , وكلَّ ضلالةٍ في النار .
أما بعدُ أيها المسلمون:
ففي يومنا هذا نسعد بحلول شهرنا العظيم, شهر الصيام, والقيام وقراءة القرآن, وحب المساكين وبحلول هذا الشهر الكريم تخطر في بالك تلك الآية المحكمة التي فرض الله تعالى من خلالها الصيام بقوله: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ) (البقرة:183 ) .
فإنْ كان الصيام مفروضاً على من سبقنا من الأمم فإنه من الطبيعي جداً أنْ يُفرض على هذه الأمة خاصةً, وهي الأمة التي فُرضَ عليها الجهاد في سبيل الله لتقرير منهجه في الأرض, وللقوامة على البشرية, وللشهادة على الناس .
فالصوم هو مجال تقرير الإرادة الجازمة, ومجال اتصال الإنسان بربه ومولاه اتصال طاعة وانقياد, كما أنه مجال الاستعلاء على ضرورات الجسد كلها, واحتمال ضغطها وثقلها إيثاراً لما عند الله من الرضى والمتاع, وهذه كلها عناصرٌ لازمة في إعداد النفوس لاحتمال مشقات الطريق المفروش بالعقبات, والأشواك, والذي تتناثر مع جوانبه الرغبات والشهوات والذي تهتف لسالكيه آلاف المغريات والمثبطات, ومن خلال الآية الكريمة قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ) (البقرة:183) . يلحظ اللبيب الفطن المتدبر لكتاب الله يلحظ الغاية التي من أجلها شرع الصوم ألا وهي تحقيق ثمرته وجني علته تلك التي أشار إليها القرآن بقوله: (( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ).
فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب, وتحيى بها الضمائر, وتسعد بها النفوس, وهي تؤدي هذه الفريضة العظيمة طاعة لله, وإيثاراً لرضاه , والتقوى هي: التي تحرس القلوب وتحفظ النفوس من مظلات الفتن, ووساوس الشياطين , والمخاطبون بهذا القرآن يدركون مقام التقوى عند الله, ووزنها في ميز انه سبحانه, فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم, وتشتاقها نفوسهم, وهذا الصوم أداة من أدواتها وطريق موصل إليها فإن لم يثمر الصوم خشيةً في القلوب, وإرهافاً في الشعور وتخل عن الذنوب, وندماً على الأعمار المهدرة والسنين المبعثرة إنْ لم يثمر الصوم هذا كله أو جله فهو مضيعة للوقت, وتبديد للجهد فيما لا فائدة فيه وإنْ لم يثمر الصوم عزماً صادقاً, ويقيناً واثقاً على التوبة النصوح, والاستقامة على الهدى, والعزيمة على التقى, فليس لله حاجه بأنْ يدعَ الصائمُ طعامه وشرابه .
أيها المسلمون: لقد أساء الكثيرون فهم الإسلام, واتخذوا أجل عبادته وأعظم شعائره اتخذوها عبادات جوفاء لا روح فيها, ولا تأثير لها, بل إنها أقرب للعادات منها للعبادات, وإلا فما معنى أنْ يتحول أعظم شهور هم وأنفس أوقاتهم شهر الصيام والقيام, شهر بدرٍ, وفتح مكة, ما معنى أنْ يتحول ذلك الشهر العظيم إلى شهر الأسواق المزدحمة ؟ والشوارع المكتظة, والموائد الممتدة بألوان الإسراف والتبذير, وما معنى أنْ يتحول أعظم الشهور وأقدس الدهور إلى شهر لعرض الفتنة ؟ وإثارة الغرائز, وتدمير الأخلاق, لقد نتج عن سوء فهم الإسلام, وسوء فهم شعائره ومقاصده ومراميه, ما تعانيه الأمة كلها من الذل والهوان, وتسلط الأعداء يسومونها سوء العذاب , ويسفكون دمائها, ويستبيحون ويدنسون عقائدها, ويعبثون بأخلاقها, وقيمها, بل إنهم ليمارسون وصاية ذليلة على شعوبها, ويرسمون للأمة سياساتها, ويوجهون زمام الأمور فيها وصدق فينا قول القائل:
ويُقضى الأمرُ حين تغيبُ تيمٌ ولا يستأمرون وهم شهودُ
لقد آن الأوان أنْ تستيقظ الأمة من رقدتها , وتتخلص من غفلتها وتراجع دينها مبعث قوتها, وسر نهضتها, ومصدر عزيمتها: (( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) ) (الحديد:16) .