وقال مصعب بن سعد: فرض عمر لأمهات المؤمنين عشرة آلاف.. عشرة آلاف، وزاد عائشة ألفين، وقال: إنها حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فما بال أقوام عميت أعينهم.. وطمست قلوبهم أن يعرفوا لها قدرها، فهل مثلها تخفى شمائله وطيبُ خصالِه؟
وهل من شهد له هؤلاء النفر الأخيار بالعلم والتُّقى، تبقى في قلوبنا ريبة نحوها، ولا نستشعر حبها؟!
أما إنه لا ينكر فضلها، وزنة عقلها، وطهارة قلبها، وأنها حطت في الجنة رحلها، لا ينكر ذلك إلا منافق مطموس القلب.. يمشي كالبهيمة العجماء.. {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون * إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} .
وحين نتكلم عن ورع أم المؤمنين ـ عائشة رضي الله عنها ـ وزهدها وخوفها من خالقها تتلاشى عند ذلك الكلمات وتهرب حينئذٍ المعاني خجلاً أن تدرك بلوغ الثناء الذي يليق بها..
لقد كانت رضي الله عنها رمزاً في الكرم، وغايةً في العظمة وسخاء النفس، كيف لا وقد تعلمتها ممن كان أصل الكرم والوفاء، ومعلم البشرية كلها أخلاق الخير؟
بعث معاوية رضي الله عنه وعن أبيه إليها مرة بمائة ألف درهم، فما أمست حتى فرقتها، فقالت لها خادمتها: لو اشتريت لنا منها بدرهم لحماً؟ فقالت: ألا قلتِ لي.
وقال عطاء: إن معاوية بعث لها بقلادة بمائة ألف، فقسمتها بين أمهات المؤمنين.
وقال عروة ـ ابن أختها ـ: إن عائشة تصدقت بسبعين ألفاً، وإنها لترقع جانب درعها.. رضي الله عنها...
تجود بالنفس إن ضن البخيل بها والجود بالنفس أغلى غاية الجود
"وبعث إليها ابن الزبير رضي الله عنه بمال بلغ مائة ألف، فدعت بطبق، فجعلت تقسم في الناس، فلما أمست، قالت: هاتي يا جارية فطوري، فقالت: يا أم المؤمنين أَما استطعت أن تشتري لنا لحماً بدرهم؟ قالت: لا تعنفيني، لو أذكرتيني لفعلت".
وكانت قمة التواضع فلا ترى نفسها شيئاً ـ وهيَ مَن هيَ؟ ـ وكانت تخاف ثناء الناس عليها فلا تودّ سماعه مخافة الفتنة..
"جاء ابن عباس رضي الله عنهما يستأذن على عائشة، وهي في الموت، وعند رأسها ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن، فقيل لها: هذا ابن عباس يستأذن، قالت: دعني من ابن عباس لا حاجة لي به ولا بتزكيته، فقال عبد الله: يا أمّه.. إن ابن عباس من صالحي بنيك، يودِّعك ويسلم عليك."
قالت: فأْذن له إن شئت، قال: فجاء ابن عباس، فلما قعد قال: أبشري فوالله ما بينك وبين أن تفارقي كل نصب، وتلقي محمداً صلى الله عليه وسلم والأحبة، إلا أن تفارق روحُك جسدك.
كنت أحبَّ نساءِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، ولم يكن يحب إلا طيباً، سقطت قلادتك ليلة الأبواء، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلقطها، فأصبح الناس ليس معهم ماء، فأنزل الله: {فتيمموا صعيداً طيباً} ، فكان ذلك من سببك، وما أنزل الله بهذه الأمة من الرخصة، ثم أنزل الله تعالى براءتك من فوق سبع سماوات، فأصبح ليس مسجدٌ يذكرُ فيه اسم الله إلا براءتك تتلى فيه آناء الليل والنهار، قالت: دعني يا ابن عباس، فوالله وددت أني كنت نسياً منسياً"."
وقال ابن أبي مُليكة:"إن ابن عباس استأذن على عائشة وهي مغلوبة فقالت: أخشى أن يُثني عليًّ، فقيل: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن وجوه المسلمين، قالت: ائذنوا له، فقال: كيف تجدينك؟"
فقالت: بخير إن اتَّقيتُ، قال: فأنت بخير إن شاء الله، زوجةُ رسول الله ولم يتزوج بكراً غيرك، ونزل عذرك من السماء، فلما جاء ابن الزبير، قالت: جاء ابن عباس وأثنى عليًّ وودت أني كنت نسياً منسياً". رضي الله عنها قمة التواضع، ومنتهى الذلة لله، وهي تعلم أنها من أهل الجنة، المحبوبة لخالقها سبحانه."
أماه عذراً إذا ما الشعر قام على سوق الكساد ينادي من يواسيني
مالي أراه إذا ما جئت أكتبه ناح القصيدُ ونوح الشعر يشجيني
حاولت أكتب بيتاً في محبتكم يا قمة الطهر يا من حبكم ديني
فأطرق الشعر نحوي رأسه خجلاً وأسبل الدمع من عينيه في حينِ
وقال عذرا فإنّي مسني خورٌ شحّ القصيدُ وقام البيتُ يرثيني
بارك الله لي ولكم..
الخطبة الثانية..
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وعبده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد..
فاعلموا عباد الله أننا لما نتكلم عن عائشة يدفعنا لذلك عظيم حقها علينا، الذي جعله الله له، وأوجبه على كل مسلم.
فعائشة بنت أبي بكر الصديق ليست كغيرها من النساء، هي زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فرض علينا حبها، واختارها زوجة لنبيه صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، وسماها أم المؤمنين، قال تعالى: {وأزواجه أمهاتهم} .
وبرأها من فوق سبع سماوات مما رماها به المنافقون وورثتهم إلى عصرنا الحالي، الذين يرمونها بالفاحشة {كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً} ، شل الله ألسنتهم، وجازاهم بسوء صنيعهم.
وهل يختار الله سبحانه لنبيه إلا طاهرة مطهرة نقية؟ فهل من متفكر؟!
وحتى تعلموا شناعة القول: فليتخيل كل واحد منا أنه طعن في شرفه وعرضه، واتهمت زوجته بالفاحشة، فعلى أي حال سيكون؟
فكيف إذا كان المطعون بها زوجة خير الورى صلى الله عليه وسلم، فهل أعراضنا أغلى من عرضه؟
واعلموا أنه مما يجب على كل مسلم اعتقاده أن عائشة مطهرة، ومن قول أهل الكذب والبهتان مبرأة، ولا نشك بأن الله جل وعلا لا يمكن أن يجعل تحت نبيِّه إلا مطهرة عفيفة مصونة.
هذا من صميم عقيدتنا.. ومن زعم في عائشة غير هذا مما رماها به أهل البهتان، كرأس المنافقين عبد الله بن أبيّ بن سلول ووارثيه إلى هذا الزمان، كرميهم لها بالفاحشة، فهذا كافر بإجماع المسلمين،"وغداً عند ربهم يجتمعون، فيقتص المظلوم ممن ظلمه، فيا ويح من كان خصمه محمداً صلى الله عليه وسلم..".. فالله الموعد..
فعليك يا عبد الله أن تعتقد هذه العقيدة الصحيحة في أمك الصديقة بنت الصديق المبرأة من فوق سبع سماوات، وأن تبرأ من كل قول يقدح بها وبعدالتها، واعلم أن الطعن فيها طعن في فراش النبي صلى الله عليه وسلم، وقدح في حكمة الله سبحانه الذي اختارها زوجة لنبيه.
كما أنه يجب عليك أن تبغض كل ملة تدين وتعتقد الطعن في عائشة واتهامها بالرذيلة وإن تسمى أصحابها باسم الإسلام وتلفظوا بالشهادتين، فإن من اعتقد ذلك كافر، لا تجوز محبته ولا موالاته ولا أكل ذبيحته ولا الزواج منه ولا تزويجه.
ويكفي أن الله سبحانه وتعالى من عظيم حكمته ابتلى هؤلاء باقترافهم لفاحشة الزنا يسمونها بغير اسمها {جزاء وفاقا} لطعنهم بعائشة المطهرة العفيفة المبرأة.
فالواجب عليك أيها المسلم محبة عائشة وموالاتها ومعرفة تمام قدرها ومنزلتها، واعتقاد هذه العقيدة دون النظر لأقاويل المرجفين الدخلاء على ديننا وشرعنا.
ويكفي أن الله سماها أم المؤمنين، هي وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فمن لم تكن عائشة أمه فليس بمؤمن، ومن تبرأ منها فحريُّ به أن يحال بينه وبين جنان الخلد.
فإذا اعتقدت موالاتها ومحبتها فعدَّ ذلك أرجأ أعمالك عند الله، واعلم أنك عملت عملاً عظيماً تستحق عليه الأجر من الكريم الذي لا يضيع أجر من المحسنين.
هذا واعلموا أنه لا يحزن على عائشة إلا من كانت هي أمه، وأما أولئك السقط المتهافتون وراء الإفك، الصادون عن الحق، الطاعنون في خير الخلق، فإياك وإياهم، واحذر طريقهم، فإنهم يقودون إلى الهاوية، والتبرؤ من خير البشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وموالاة كل كافر وفاجر.
اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم اهدنا لصالح الأعمال والأقوال لا يهدي لصالحها إلا أنت