*وعن أبي ذر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا (6)
معاشر المؤمنين:
إذا ظهرت الفتن وتغيرت الأحوال فالواجب على المسلم الرفق والحلم والصبر والأخذ بالآداب الشرعية زمن الفتن من التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والالتفاف حول علمائنا وولاة أمورنا والتثبت فيما يرد من أخبار وتفقد المسلم اخوانه خوفاً عليهم من الزلل إلى غير ذلك من الآداب الشرعية.
آلا إن الشيطان وحزبه ينشطون زمن الفتن للإفساد بين المؤمنين وإيغار الصدور وتفريق أمة محمد صلى الله عليه وسلم (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم) (التوبة: من الآية 47) ولهذا كان لابد من بيان ما قد يقع من زلل ومخالفة للآداب الشرعية زمن الفتن نصحاً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ومحبة لأهل الإيمان والقرآن وتحذيراً لهم من مكايد الشيطان. فمن تلك المخالفات:
أولاً:
سوء الظن بالله وتوهم أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ستهلك ويدال عليها عدوها إدالة مستمرة وأن الغلبة والظهور لأهل الكفر أبداً! وكل ذلك سوء ظن بالله سبحانه وتعالى ذمّه الله عز وجل في كتابه حيث قال (يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية) (آل عمران: من الآية 154)
فالظن بربنا جل جلاله وهو الحكيم الخبير القوي العزيز أنه ينصر دينه ويعز أوليائه ويجعل العاقبة للمتقين، وما يجري من تسلط الكفار على أهل الإسلام إنما هو ابتلاء وامتحان ليميز الله الخبيث من الطيب، وليعلم الله الذين صدقوا ويعلم الكاذبين. ومن سوء الظن بالله زعم بعضهم أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أمة غائبة! وهذا من جهله وسوء ظنه بربه وإلا فالبشائر في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كثيرة ولو لم يرد إلا حديث الطائفة الناجية المنصورة الظاهرة إلى قيام الساعة لكفى (7)
فأحسنوا بالله الظن وأبشروا وأملوا خيراً، أبشروا بعز أمة محمد صلى الله عليه وسلم وكشف الكربة عنها وإهلاك عدوها قال الله عز وجل في الحديث القدسي:
(أنا عند ظن عبدي بي) وقال سبحانه (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً) (الفتح: 28) والله ثم والله لتنصرن أمة محمد صلى الله عليه وسلم فأبشروا معاشر المؤمنين إن نصر الله قريب.
ثانياً:
قبول الشائعات ونشرها وذلك أن المغرضين المرجفين في المدينة يفرحون بالفتن ليبثوا سمومهم وليتشفوا من إخوانهم المسلمين في هذا الوقت العصيب فأشغلوا العلماء والأمراء والمصلحين، الله أكبر! كم من شائعة انتشرت فلما دقق في الأمر وتحقق: تبين أنها كذب وإفك مبين فحسبنا الله عليهم ونعم الوكيل ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون. فاتقوا الله يا أمة الإسلام وتثبتوا في أمركم، أما بلغكم قول الله جل جلاله (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) (الحجرات: 6) أما بلغكم قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع) (8) فيا شباب الإنترنت اتقوا الله في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا تحدثوا بكل ما تسمعون وتقرؤون فإنكم موقوفون بين يدي الجبار في يوم لا تخفى فيه على الله خافية، فاحذروا أن تكونوا دعاة فتنة مرجفين أفاكين (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) .
يا شباب الإنترنت لما زهد بعضكم في طاعة علماء السنة والتوحيد والاقتداء بهم والالتفاف حولهم ابتلاه الله بطاعة من قلوبهم قلوب شياطين في جثمان إنس، فاللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن. وقل مثل ذلك في متابعي قنوات الكذب والشائعات (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) .
ثالثاً:
الاعتقاد في الأحلام والمنامات فعلقوا قلوبهم بها زمن الفتن بل صارت الأحكام الشرعية والقرارات العسكرية تصدر لبعضهم وهو في سابع نومة! فذاك يقول اقرؤا سورة الأنعام يا أهل الخليج في ليلة كذا لرؤيا وقعت، وهذه القراءة الجماعية بدعية محدثة ما أنزل الله بها من سلطان. وثانٍ يقول ولد المهدي لرؤيا رؤيت وغرض الكذاب من ذلك تزهيد المؤمنين في طاعة أولى الأمر وإثارة الفتنة فحسبنا الله ونعم الوكيل. يا أهل الأحلام والمنامات تأملوا في فعل أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما حلت المصيبة بوفاة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد والناس يبكون وعمر رضي الله عنه يقول ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل أبو بكر إلى حجرة عائشة رضي الله عنها ونظر إلى رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم فعلم أنه قد مات فلما تيقن وتثبت خرج إلى الناس وصعد المنبر وما أحالهم على الأحلام والمنامات بل تلا قوله جل وعلا (وما محمدٌ إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين) (آل عمران: 144)
فكأن الناس لم يسمعوها إلا ذلك اليوم فما منهم من أحد إلا وهو يتلوها وعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات، فهذا فعل السلف زمن المحن و الشدائد:
الرجوع وإرجاع الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا إلى الأحلام والمنامات.
رابعاً:
ومن المخالفات زمن الفتن الطعن في العلماء وسوء الظن بهم ومحاولة صرف الأمة عنهم بدعاوى كثيرة باطلة (9)
ومن فضل الله علينا ورحمته أن أمتنا ما زالت مع علمائها تسمع نصحهم وتهتدي بفتاويهم. وإنك لتسر حينما ترى حرص الناس على مصادر تلقي العلم، فصاروا يدققون ويتحرون أهل العلم والفقه والسنة ومن فضل الله تعالى علينا أيضاً أن الناس في زمن المحن والمصائب ما عادوا يقبلون إلا من المرجعية العلمية الموثوقة هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للإفتاء ومفتي الديار السعودية حفظه الله ورعاه وسدد على الخير خطاه وجزاه وإخوانه العلماء الأبرار عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الجزاء. وهذا هو هدي سلفنا الصالح قال الإمام محمد بن سيرين رحمه الله تعالى: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
نعم لقد أدرك شبابنا بحمد الله أن علماء السنة والتوحيد كالشيخ ابن باز وابن عثيمين والألباني وسماحة المفتي وهيئة كبار العلماء أدركوا أنهم هم الأئمة حقاً وإليهم الرجوع في الفتيا خاصة في زمن الفتن. وإن من الجناية على الأمة والدعوة تصدر بعض الشباب في هذه الظروف الحرجة وشغفهم بإصدار الفتاوى والبيانات والتوقيعات الجماعية ونشرها على الملأ في الإنترنت وغيره تحت مسمى جديد مشائخ الصحوة!