فهرس الكتاب

الصفحة 8241 من 9994

فَكَثِيرٌ مِمَّن خاض في هذا البَّاب خَاضَ مَعَ خَلفياته العقائِديَّة والفِكريَّة وغيرها، وصار كلٌّ يَنظر إلى هذه الأحوال مِن خلال ما عِنْدَه ، والحق أَنَّ دَينَ الإسلام الذي ارتَضَاهُ الله عز وجل ، هذا الدَّين العَظيم لَا يُمْكِن أَنْ يكون لِعْبَة بِيَد هَؤلَاء وأولئك ، ويَخُوض فِيهَا كُلّ مَن يَدري ومَن لَا يَدري ، حتى رأينا مَن يتكلم في هذه القضايا مِن الأصاغر: في علمهم ، وفي تمسكهم بدينهم ، والأصاغر حتى في أسنانهم !.

لِتَوِّهِ خَرَجَ عَلَى وَسِيلَة إعلامية فإذا بِهِ يَتَكَلَّم في قضايا الكِبار ، وخاصة فيما يتعلق بِدِينِ الله عز وجل في ظِلِّ هذه الظروف والمتغيرات الكبيرة التي تعيشها هذه الأمة .

هُنَاكَ قضية تُطْرَح الآن، تقول: أَنَّ هُنَاك ثوابت نَحنُ نَتمسك بها ، وهناك متغيرات يَجِبُ أَنْ تَتَغَيَّر، والخطير في الأمر هو أن هناك سَعْيًا حَثِيثًا جدًّا إلى تقليص الثَّوابت وجعلها مُجَردَات عقلية فقط ، وتوسيع دوائر المتغيرات حتى تَحوَّل الأمر- وللأسف الشديد - إلى أشياء متنوعة أصوليَّة وعقدِيَّة ومنهجيَّة وتشريعيَّة .

خطورة الكلام عن قضية"الثوابت والمتغيرات"

نَحنُ في هذه الكلِمَات نتحدثُ عَن مفاتيح في هذه القضية؛ لأن القضية ليست سهلة وليست صغيرة ..

وأُحِبُّ أَنْ أتكلم عن قضية مهمة جداً في أمرين:

الأول: دين الله عز وجل الذي به خُتِمَت الرِّسَالة ..

هل هو دين صالح لكل زمان ومكان أم لا ؟!

وإذا قلنا: بِأَنَّه صَالِحٌ لِكُلِّ زَمَانٍ وَمكانٍ - كما هو المتبادر إلى ذهن كل من ينتسب إلى الدِّين - فما معنى أَنْ نقول: دين الله صالح لكل زمان ومكان ؟!

ما هُوَ دِينُ الله؟!

لَا بُدَّ - بداهة- أَنْ يَنْصَب المصطلح على الدِّين الَّذِي جاء بِهِ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم بِكُليَتِهِ .

فَإِذَا قَالَ قَائِل: هَل دِينُ الإسلام صالح لكل زمان ومكان؟

جاء الجواب: نَعَمْ ؛ هو صالح لكلِّ زمانٍ ومكانٍ .. لَكِنْ مَا هُوَ هَذَا الدِّين؟!

هَل هَذا الدِّين: ذَلِكَ الدِّين الْمُغَيَّر، أَوْ الْمُبَدَّل، أَوْ الْمُحَرَّف، أَوْ الْمُؤَوَّل، أَوْ الذي تَتَبَنَّاهُ فِرقٌ وطوائف مُنْحَرِفَة عَن الإسلام ؟!

أم المقصود به: الدَّين الَّذِي أَرْسَلَ الله بِهِ نَبِيَّنَا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم ؟!..

وعَلَى هَذَا: فَأِنَّ دِينَ الله عز وجل الَّذي هو الإسلام ، والذي بِهِ نُسِخَت الرِّسالات والكُتب السابِقة وصار حُكَم الله قاطعًا: أَنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ويَتَبِعه عَلَى شَرِيعَتِه فَلَيسَ بِمُسْلِمٍ كَائِنًا مَا كَانَ عَمَله، أَوْ إِخَلَاصَه، أَو دِيَانَتَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلكَ .

هذا الدِّين الذي جاء به الرَّسول صلى الله عليه وسلم هُوَ نَفْسَهُ صَالِحٌ لِكُلِّ زَمَانٍ ومَكَانٍ ، صَالِحٌ لِزَمَنِ الصَّحَابَةِ ، وأيضًا صَالِحٌ لِزَمَانِنَا هَذَا .

مَا مَعْنَى أَنْ نَقُول أَنَّه صَالِحٌ لِزَمَانِنَا ؟!

إِذَنْ: فَلْنَأتِي إِلَي الدِّين بِأَصْلِهِ ونُطَبِّق هَذِهِ القَنَاعَة التِي نَقُولها نَظَريًّا ، ونَقُول: الدِّين صَالِحٌ لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ ، فَنُطَبِّق هَذَا الدِّين تَحْتَ أَيَّ مُتَغَيِّر مِن الْمُتَغَيراتِ هَذِهِ .

الأمر الثَّانِي - الْمُتَعَلِّق بِتَأصِيل هَذِهِ القَضِيَّة ومِنْهَا نَنْطَلِق - هو: أَنَّ الإسلام لَمَّا نَنْظُر إِلَى ثَوابِته، فثوابت الإسلام ذَاتَ أصول ، عِنْدَنَا ثوابت أصول العقيدة ، وعندنا ثوابت الشَّريعة ، وعندنا ثوابت الْمَصْدَر .

أولًا: ثَوابِتُ الْمَصْدَرُ

إِنَّ دِينَ الله عز وجل مصدره الأساس"كتاب الله"عز وجل، وسُنَّة النَّبِي صلى الله عليه وسلم ، ويُلْحَق بِهِمَا مَا أَجْمَعَت عَلَيهِ الأمة .

مَا مَعْنَى أَنَّ القُرْآنَ هُوَ الْمَصْدر؟ أَوْ أَنَّ سُنَّة النَّبِي هِيَ الْمَصْدَر؟ وأَنَّها ثَابِتَةٌ لَا تَتَغَيَّر؟!

مَعْنَاهَا: أَنَّ أَيَّ مُتَغَيرات تَحدُث فَلَا بُدَّ أَنْ يكون مَرْجِعُهَا إِلَى كِتَابِ الله وإِلَى سُنَّة رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم .

إذًا: هو من الثَّوابت ..

ولَمَّا نَقُول الكتاب والسنة وما يترتب عليهما مِن الإِجماع هو من الثوابت ، فَهَذِهِ قضية كبيرة جدًّا تَتَعَلَّق بِأَي منهجية لمعالجة وَضْعٍ مِن الْأَوْضَاع ، ومِنْ هُنَا فَإِنَّه مَهْمَا كان ، ومَهْمَا وَقَع مِن مُتَغَيرات فِي كلام النَّاس أو اجتِهَادَاتهم أو غير ذلك، فسيبقَى فِي كُلِّ لَحْظَة، فِي كُلِّ زَمَنٍ كِتَاب الله وسُنَّة رَسُولِه مَعْلَمَانِ مُنِيرَانِ مُضِيئَانِ بَارِزَانِ يَرْجَعُ إِلَيْهِمَا النَّاس ، وعلى هذا فلا يُمْكِن لِأحَدٍ أَنْ يَلْغِي - مهما كان - هَذينِ الْأَصْلَين الثَّابِتَين .

بِمَعْنَى: أَنَّهُ قَد يَأتِي فِي زَمَن ٍ مَا وَيُقَالُ: والله تلك الواقعة الفُلانيَّة، والمتغير الفُلانِي، أَفْتَى العَالِم الفُلَانِي وقال فيه: كَذَا ..، وكذا !!..

لا يُمْكِن أَنْ تَكُون فَتْوَى العَالِم الفُلانِي، أَوْ اجتِهَاده بَدِيلًا عَن الْكِتَابِ والسُّنة.

فلو قيل الطائفة الفُلانيَّة صار مِن عقيدتها كذا..، وكذا.. في باب - مثلًا - الإيمان بالصحابة، أو الإيمان بالقدر، أو الإيمان بالملائِكَة ، ونَشَرَتْ ذَلكَ وانْتَشَر بين النَّاس، لا يُمْكِن أَنْ تَتَحَوَّل عَقِيدَتُهَا - هذه- إِلَى أَنْ تَكُون أصلاً .. لَا يُمْكِن !!

الْأَصْلُ - رَأسًا - يَرْجَعُ إِلَى الكِتَابِ والسُّنة ، لِذَلك كَانَ الأصل الكِتَاب والسُّنة وَمِن وَرَائِهما الإجْمَاع الذي يَنْبَنِي عَلَى دَلِيلٍ .. هَذِهِ ثَابِتة لَا يُمْكِن أَنْ تَتَغَيَّر مَع تَغَيُّر الزَّمان والمكان ، ولِذَلِك فَإِنَّ هذا من حِفظ هذا الدين ..

لا يُمْكِن لِأَحَدٍ أَنْ يقول: هَذَا القُرْآن لَا يَصْلُح الْآن؛ لَأَنَّ فِيهِ شِدة فِي العِلاقة مع الكُفَّار !!

?حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ? [التوبة: 29] .

? وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ? [المائدة: 51] .

?لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ? [المائدة: 73] .

?لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ? [النساء: 11] .

إِنَّ هَذِهِ أَحكَام شَرعيَّة لَا يُمْكِن لِأَحدٍ أَنْ يَلْغِي شَيء مِن هَذَا وَمِثْله سُنَّة النَّبِي صلى الله عليه وسلم .

وفَائِدَةُ مَعْرِفَة هَذَا أَنَّه فِي ظِلِّ أَيِّ مُتْغَيرات إِذَا اخْتَلَفَت الآراء وَجَب الرُّجوع إِلَى الكِتَابِ والسُّنة .

ثانيًا: الأُصُولُ العَقَدِيَّة

الأصول العقدية لا تَتَغَيَّر بِتَغَيُّر الزَّمان والمكان ، هذه الأصول لها ثوابتها العظيمة في حياة الأمة .

نذكرها باختصار:

الأصلُ الْأَوَلُ: توحيد الله عز وجل - في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته- وهو ثابت، بِهِ تُقَاس أحوال النَّاس، وعقائد النَّاس، كيف كان سيتغير !!

أَيْ: أَنَّه لَا يُمْكِن أَن يَأتِي حَالَة نقول - مثلًا-: يا أيُّها النَّاس العالَم اختلف وتَفَرَّق والصِّراع العالَمِي .. ، فلو أنَّنا جمعنا الأمة الإسلامية على توحيد الرُّبوبيَّة ، أَمَّا تَوْحِيدُ الألوهية هو اختلاف في مسائل الشِّرك وغيرها فَنَرَى أَنَّ هذه نَتْرُكها الآن؛ لأنَّها مِن المتغيرات؟!

والْجَوابُ: أَنَّ هَذَا مَمْنُوع - تَمَامَ الْمَنْع - لَا يُمْكِن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت