فهرس الكتاب

الصفحة 8239 من 9994

بالطبع لا؛ فهي تعمل في مخلوقات الله عز وجل، واللهُ هو الذي جعل في هذه المواد القابليةَ للتصنيع وليس الغربُ، ولهذا فَإِنَّ غاية الغرب أَنَّه يكتشف، حتى الإنسان خلقه اللهُ، غاية ما عنده من العلم أَنَّه يكتشف طبيًّا خليةً كان جاهلًا بها آلاف السنين، لكنَّ الخلقَ خَلْقُ اللهِ.

وكذلك كتابُ الله وسنةُ النبي صلى الله عليه وسلم التي هي وحيٌ، فهما عندنا يجب ألا نوجِد الصراع بينهما؛ لأنه لا يوجد في المنهج الإسلامي.

فهذا المنطَلق من هذه القضية مهم جدًّا؛ حتى نعلم كيف يتميز الإسلام عن غيره في نظرته للحياة؟

الإسلام دين الله الحقُّ، فالقضيةُ فيه منفصلة، فهو ليس دين يقول لك: اجلس في المسجد إذا أردت العبادة وانتهى الأمر؛ فهو ليس دين رهبنة، ولا صوفية ولا غيرها من المناهج التي تريد أن تعزل الإنسان عن الحياة، بل بالعكس، فديننا دين علم يبني حضارة، والتاريخ خير شاهد على ذلك.

ثانيا: أن نواجه عولمة الغرب بالعودة إلى الذات:

العودة إلى ما عندنا من أصول ؛ إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما يَنْبَثِق عنهما من عقيدة وشريعة.

وقد يقول قائل: وهل هذه العودة ممكنة مع هذه العولمة الطاغية؟!

فأقول: هناك دول أخرى كافرة مثل اليابان؛ دولة وثنية ومتطورة صناعيًّا، وبالفعل واجهت العولمة كغيرها، أتدرون كيف واجهتها؟!

واجهتها بأن عادت إلى أصولها وجذورها وهي كافرة؛ حتى لُغَتها، ويخبرني أحد الأطباء ويقول لي:"جاء فريق طبي ياباني ليُجري عملية في مستشفى الملك فهد في الرياض، وجلسنا نحن معه في أثناء العملية، وأشدُّ ما أَحْرَجَنا أنه في أثناء العملية لا يعرف اللغة الإنجليزية؛ حتى المِقص والقطن كنا نحاول أن نُفْهِمه إياها بالإنجليزية، فكان لا يعرفها".

فسبحان الله!! فلاحظ كيف يعتزُّ بلُغَته، وكيف يبني حضارة من خلال لُغَته.

ويقول لي هذا الأستاذ:"واللهِ في الجامعة في اليابان كنتُ قد بحثتُ عن كتاب بالإنجليزية لأقرأ فيه وما وجدتُ؛ بل كلها مترجمة إلى اللغة اليابانية".

فأقول: سبحان الله!! دولة وثنية تواجه العولمة وتعود إلى أصولها وتؤصل. فأين نحن منها؟!

ونحن المسلمون لدينا دين وعقيدة وشريعة، بل بعض دول أوروبا مثل فرنسا وألمانيا ترفض عولمة أمريكا، وترفض عولمة اللغة الإنجليزية وحضارة أمريكا؛ لأنها لها أصولها وتراثها ولغتها، فإذا كانت هذه الدول نفسها تعود إلى أصولها وجذورها مواجِهةً لهذه العولمة، فما بالُنا نحن المسلمين؟!

إنَّ المنطلق الثاني الأساسي حقيقةً بالنسبة لنا نحن المسلمين في مواجهة هذه العولمة هو فعلًا أنْ نسارِع إلى أن نواجه عولمة الغرب بالتأصيل، والعودة إلى أصولنا وجذورنا وإلى ديننا، وليس بالانسياح أمام ثقافة هؤلاء الأعداء وفكرهم وعقائدهم.

ثالثًا: الأخذ بالأسباب الشرعية والمادية في مواجهة هذه العولمة:

ونحن نَعْلَم علم اليقين أن قوة العدو مهما كبرت وكثر عددها وعدتها، إلا أنها في ميزان الصراع بين الحق والباطل حين يكون المسلمون حاملين لدينهم الحق لا يمكن أن يُنظر إليها على ميزان المساواة، فتاريخُ المسلمين من أوله إلى آخره وانتصاراتهم كلها مبنيَّة على قلة المسلمين وضعفهم في العدد والعُدَّة وعلى كثرة عدوهم؛ فكذلك أيضًا بالنسبة لقوة هذه العولمة وتأثيرها؛ فإننا نستطيع أن نواجهها بأمرينِ:

• الأخذ بالأسباب الشرعية. • الأخذ بالأسباب المادية.

فربُّنا سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز: ?وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ? [الأنفال: 60] ، وبالإمكان أن نحول تقنية هذه العولمة بضوابط إلى أن تكون وسيلةً لنا نحن؛ لنقاوم هذه العولمة، ونعيد تأصيل حياتنا ومناهجنا.

رابعًا: مواجهة عولمة الغرب بعالمية الإسلام:

والحقيقةُ أنَّ هذا خيارٌ عالمي بالنسبة لنا نحن المسلمين؛ أَنْ نواجه عولمة الغرب بِأنْ نَنْشُر وندعو بكل الوسائل إلى عالمية الإسلام.

وهذه الدعوة يجب أن يُلاحَظ فيها الأمور التالية:

1-أنه لا مكان للقوميات والجاهليات في بلاد المسلمين:

فإنَّ أمةٌ الإسلام، أمةٌ واحدة، وهي لا يمكن أن تدعو إلى عالمية الإسلام في الغرب ما لم تكن أيضًا بلاد المسلمين يجمعها فقط رابطٌ واحد؛ هو رابط الإسلام، ومن هنا فإن الدعوات القومية والوطنية والمادية الجاهلية وغيرها هي بالفعل بالنسبة لنا نحن المسلمين تنتهي إلى أن يتفرد الغرب بعولمته من هذه الدولة إلى تلك الدولة؛ لتكون في النهاية أشتاتًا ممزَّقة بين أنياب الغرب الذي لا يَرْحم.

2-نحن ندعو إلى عالمية الإسلام في مقابل عولمة الغرب:

نُقَدِّمه ونحن نَثِق بهذا الإسلام وبهذا الدين، والإنسان الذي لا يَثِق بدينه لا يمكن أن يُقَدِّمه؛ فالمهزومُ الذي يرى عدوَّه هو الأقوى والمنتَصِر، ويُعْجب به وبحضارته وفِكْرِه لا يمكن أن يقاوِم أبدًا، فضلًا أن يقدِّم البديل.

ومِن هنا فلا بُدَّ أن ننطَلِق من الثقة في الذات؛ ففي زمن النبي صلى الله عليه وسلم تَحزَّبت الأحزاب على المسلمين من كل ناحية، فماذا فعل المسلمون؟ قال الله تعالى: ?وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا? [الأحزاب: 22] ؛ فانظر إلى المنهج! فعولمة الغرب يجب أن تَزِيدكَ ثقةً في إسلامِكَ، وليس رَكْضًا ولَهْثًا أمام الزُّبالات من أفكار الغرب.

3-أن نقدم النموذج لتطبيق الإسلام عقيدة وشريعة ومنهاج حياة:

ومِنْ ثَمَّ فلا مكانَ للعلمانية في بلاد العالم الإسلامي، فإذا أردنا أن نواجه هذه العولمة فعلينا أن نقدِّم النموذج الصحيح، وإذا صَدَقْنا - وأعني بذلك جميع فئات الأمة - في العودة لديننا وتحكيمه، فسَنُقدِّم - فعلًا - النموذج؛ لأن دين الله لا يمكن إلا أن يكون صالحًا لكل زمان ومكان.

4-اليقين بأن المستقبل للإسلام:

فالإسلامُ ينتشرُ وينتصر؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب وهم ينتظرون الأحزاب مُقْبِلين على المسلمين لِيدمِّرُوهم في ساعةٍ كان صلى الله عليه وسلم في أثناء حَفْر الخندق في قصة الصخرة يُبشِّرُهم بفتح كنوز كِسْرى وقيصر واليمن ، إنه يبيِّن لهم أنه مهما حُورِب الإسلام، ومهما تَحزَّب عليه أعداؤُه؛ إلا أن المستقبل للإسلام.

وواللهِ؛ إِنَّ هذا لَيُرَى اليوم رَأْيَ العين، فالإسلام يَنْتشر ويَقوَى في كل مكان.

ووالله؛ إنكَ لتَعْجب أنكَ لَتَجِدُ في بعض المسلمين ضعفًا وخَورًا وتنازلاتٍ في نفس اللحظة التي ينتصر فيها الإسلام وينتشر هنا وهناك. لِمَ؟!

لأنه دين الله الحق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا في الحديث الصحيح أَنَّ رُوما ستُفْتَح (3) ؛ روما عاصمة النصرانية سيَفْتَحُها المسلمون، وهذا خبرُ مَن لا يَنطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم، وقال في الحديث الآخر: (لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الدِّينُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ) (4) .

إِذًا؛ ننطلقُ من خلال إدراكنا أَنَّ المستقبل للإسلام، وأَنَّه لا مستقبل للبشرية حقيقيًّا وحياةً حقيقيةً إلا بالإسلام.

5-أن نقدم عالمية الإسلام ونحن نُوقِن أنه هو البديل لعولمة الغرب وحضارته الزائفة:

إِنَّ حضارة الغرب هي حضارة تحمل في طَيَّاتها عواملَ انهيارها وفسادها، وما رأيُكم بحضارةٍ تقوم على الإلحاد، وعبادة الإنسان؟!

ما رأيكم بحضارة تقوم على الأخلاق النفعية؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت