والحقيقةُ أنَّ هذا المظهر من أخطر المظاهر؛ لأنَّ مظهر الحياة الغربية بنظمه لَمَّا تَعَوْلَم وانتشر في العالم - ونحن من هذا العالم - فإِنَّنَا نحن المسلمين نكون في هذه الحالة ممن يرتضي نظمًا غربية ونتخلى عن دينه وشريعته، وكما قال علماء السلف الصالح قديمًا: (مَا مِنْ بِدْعَةٍ تَحْيَا إِلَّا وَتَمُوتُ فِي مُقَابِلَهَا سُنَّةٌ) ، فكذلك أيضًا: مَا مِنْ نُظُم حياة تُسْتَوْرَد إلا ويقابِلُها انحسارٌ في شريعة الإسلام بالنسبة لنا نحن المسلمين؛ وبالطبع فنلاحظ أننا نَفْصِل تمام الفصل بين الشريعة المبنية على أصول عندنا نحن المسلمين وبين القضايا الإدارية البَحْتة، فنحن نتكلم اليوم عن الْأُوْلَى بشكلٍ أساسي، ونتكلم عن الثانية التي تَقْدُم إلينا بأصولها وجذورها.
[3] الانْحِراف الأخْلاقِي
كذلك أيضًا بالنسبة للأخلاق ومعرفة الآثار الأخلاقية للعولمة في بلاد العالم الإسلامي؛ فالفسادُ الأخلاقي المتنوِّع تجد أن هذه الذراع الثقافية بالفعل تؤثِّر وبشكل مباشر، وأظن أن هذا الأمر واضح تمام الوضوح، وأمثلتها كثيرة جدًّا، ونذكر منها:
• المرأة:
وخَصَّصْناها لأنَّها - فِعْلًا - مِيدانٌ ضخم لحرب الإسلام والمسلمين وتَغْيِير أحوالهم؛ فجاءت العولمة بالنسبة للمرأة لتؤَثِّر على كثير مما يتعلق بحياة المرأة المسلمة، سواء ما يتعلق منها بدينها، وأهدافها، وغاياتها، أو بمظاهر الأخلاق والتصرفات، أو بالألبسة والأزياء وغيرها.
• اللغة العربية:
إِنَّ اللغة العربية هي لغة القرآن، فالعولمة الآن تحاول أن تطغى لتجعل لغة العالم هي اللغة الأجنبية، وبالأخص اللغة الإنجليزية، وكثيرٌ من شبابنا اليوم بدأت طموحاته متأثرة بعوامل عِدَّة، يرى أَنَّ النمو الحضاري لن يكون إِلَّا بأنْ يكون صاحب لغة أجنبية يُتْقِنها!!
وإتقانها - والحالة هذه - سيكون على حساب لغته العربية، فكيف إذا تطور الأمر ليكون منهج المدارس الابتدائية وما بعدها؟!
كيف إذا تطور الأمر لتنشأ المدارس العالمية التي تُدَرِّس أحيانا باللغة الأجنبية؟!
كيف إذا تطور الأمر إذا صار الخطاب الإعلامي في كثير من أحواله لا يكون إلا باللغة الأجنبية؟!
ونحن نعلم أَنَّه في الشبكة العنكبوتية لا تكاد تَذْكُر اللغة العربية، أما المواقع التي تُعَدُّ بالملايين باللغات الأخرى وعلى رأسها اللغة الإنجليزية، فهذا التَّصَلُّب اللغوي هو مظهر خطير جدًّا من مظاهر العولمة الفكرية والثقافية.
وينتج عن ذلك بالفعل عدةُ مؤثرات تتعلق بالأسرة وبالشباب وبالتعليم، تتعلق بحياة الإنسان وخصوصياته؛ هذه الأمور وغيرها هي من المظاهر الخطيرة بالنسبة للعولمة، وكثير من الناس - وإِنْ طُرِحَت عليه العولمة الاقتصادية أو السياسية أو غيرها - إِلَّا أَنَّه يرى أن الخطر الأكبر حين تكون العولمة فكرية ثقافية أخلاقية؛ لأن الأمم إذا دُمِّرَت من الداخل فإنها ستكون قد انتهت، إذا خَرِبت قلوبُها وعقيدتها وأخلاقها وأهدافها في الحياة، فإنها ستكون غنيمةً سهلة لأعدائها.
إنَّ الأَذْرُع الْأُوْلَى كافَّةً؛ السياسي، والعسكري، والاقتصادي، والتقني، كلها جاء لتُسْتَخدم لفرض هذا المظهر والذراع الخطير، ألا وهو الخطر العقدي والفكري والثقافي على العالم الإسلامي.
العَوْلَمة والدَّعَوات البَاطِلة
هناك مظاهر عالمية أحيانًا تجدها تُقَادُ مِنْ قِبَل الغرب القوي المسيطر، والعالم الإسلامي يعاني ما يعاني منها؛ ومن أمثلة ذلك:
دعوى"حقوق الإنسان":
فهي في المنهج الإسلامي منضبطة بالضابط الشرعي.
أما اليوم فانظر كيف تدور قضايَا حقوق الإنسان عالميًا ليُفرض المنهج الغربي؛ حتى وهو يَكيل بمكيالين مَفْضوحَيْنِ أمام العالم كله، إنها قضية تُطرح عالميًّا وتتعلق بحقوق الإنسان، والعالم الإسلامي يتلقى مثل هذه الطروحات ولا يدري كيف يتعامل معها؛ طُرُوحات لحقوق إنسان مبنية على المنهج الغربي والإلحاد الغربي، بالرغم من أنَّ لدينا منهج مُؤصِّل ونظيف في حقوق الإنسان، ثم تأتي حقوق الإنسان أو المنظمات العالمية لتبني منطلقاتها على المساواة التامة ، ومقتضى هذا أنه لا فَرْقَ بين دِين ودِين، لا فرق بين من يعبد الأحجار، وبين من يَعبد الواحد القهار؛ فكل هؤلاء سواسِية، وفي منهج الإسلام العظيم لا يمكن أن يستوي هؤلاء: ?لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ? [الحشر: 20] .
?أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ - مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ? [ القلم: 35، 36] .
وهكذا عندما تأتي الطُّروحات العالمية، مثل: المساواة بين المرأة والرجل، وهي قضية تخالف الطبيعة؛ فربنا سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز: ?وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى - وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى - وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى? [الليل: 1-3] .
فالليلُ ليلٌ والنهار نهارٌ؛ هذا له طبيعته، وهذا له طبيعته، كذلك أيضًا الذَّكر له طبيعته والأُنْثى لها طبيعتها، فعندما تأتي مثل هذه الدعوات لتنادي بالمساواة، يأتي المنهج الإسلامي ليقول: لا.
فالبديل هو العدل، والعدل أحيانًا يكون بالمساواة، وأحياناً يكون بعدم المساواة، ولو قال قائل: تجب المساواة بين المجرم وغير المجرم!! لكان جميع الناس يعترضون على مثل هذا الطرح، وهل هناك أعظم إجرامًا ممن يكفر بالله سبحانه وتعالى ويلحد لنساويه بالمؤمن العابد لله تبارك وتعالى؟!
دعوى"تقارب الأديان العالمية":
والمقصودُ بها عولمة هذه الأديان؛ ليخضع الإسلام لها، فعندما تأتي المؤتمرات العالمية كمؤتمر"السكان"، أو"المرأة"، أو غيره .. تجد أَنَّ هذه المؤتمرات تفرض حياة الغرب وثقافته، ونظمه.
والعالم الأخر أو الثالث، ومنه العالم الإسلامي يستجيب ويُوَقِّع ولا يعترض، وليس هذا للجميع، بل فيهم من يعتذر عن مثل ذلك، لكنَّ الغاية لِمِثل هؤلاء هي أن يتحول هذا المؤتمر المنبثق من قضايا غريبة ليفرض على المسلمين في حياتهم ودينهم وتعليمهم وأخلاقهم.
هذه الأذرع الخمسة للعولمة قد أَوْجَدت حالةً في العالم كله ومنه العالم الإسلامي، هذه الحالة سارت مسار نقاش وطروحات متعددة؛ لأن الكل يَحس بها ويراها ويعايشها..
مَوْقِفُ المُجتَمَعَات مِنْ العَوْلَمَة؟!
لقد بَرَزَت مواقف عِدَّة لِفِئَاتٍ عِدَّة مِنْ هَذِهِ العَوْلَمة نُشِير إِلَيها باختصار، ونُفَصِّل فيما نراه أصولًا ومنطلقات في الموقف من العولمة .
الفئة الأولى: وقفت بالنسبة للعالم الإسلامي من العولمة موقفَ المرحِّب بها الداعي إليها؛ ففَتَحَتْ لها ذراعيها، وهَلَّلَتْ لها، وصارت تنتظر سرعةَ تأثيرها في بلاد المسلمين، وهذا النوع يشمل غالبية أصحاب الأفكار المنحرفة في داخل العالم الإسلامي؛ كأصحاب التوجهات الاشتراكية، واليسارية، والقومية، والعلمانية، وأصحاب الحداثة الفكرية على مختلف مدارسها..
فكُلُّ هؤلاء يرحبون بالعولمة، ورأوا أنها ستكون وسيلةً لتحديث بلاد العالم الإسلامي وتغييرها، وهؤلاءِ إنما رحَّبوا بها لأنهم يَعيشون غربةً في بلاد المسلمين، يَعيشون صراعَ نُخَبٍ عربية ترى أنها هي الأعلى فكرًا وثقافةً .. إلى آخره.