فهرس الكتاب

الصفحة 8202 من 9994

وصنفٌ من الناس , قد يُبتلى في ذريتهِ , فيولدُ له الأطفالُ المشوهون, أو الأطفالُ المعتوهون , أو يصابَ بعضُ أبنائه بمرضٍ عُضالٍ, فينتقلُ بهم من طبيبٍ إلى طبيب , ومن مصحةٍ إلى أخرى , فلا يأذنُ الله تعالى بشفاءٍ, ولا يكتبُ عافيةً, فيصيبهُ اليأسُ , ويستولي عليه القنوطُ, ويتخايلُ له الشيطانُ يقذفِ في قلبه الشبهةَ تلو الشبهة , أنت مسلم, وأنت مؤمن , وأنت طيب فلماذا تشقى, ويسعدُ غيركَ من الناس ؟ ما هو ذنبكَ حتى يُصيبك ما أصابك ؟! لأي شيٍ تُبتلى بهؤلاء المرضى ؟؟..ويهنأُ بقيةُ الناسِ بأولادٍ أصحاء ؟! لماذا أنت من بينهم معذبٌ محروم ؟! وهكذا .يظلُ الشيطان يتلاعبُ بهذا المسكينِ , ويسخرُ من عواطفه , حتى ينهارُ, وينهزمُ, ويظهرُ خورهُ, وضعفه , وضحالةِ إيمانه , وضعفِ عقيدتهِ , فيسبُ القضاء , ويهزأُ بالقدر , فيخسرُ بذلك الدنيا, والآخرة , ذلك هو الخسرانُ المبين . وصنفٌ من الناس , قد يبتلى بكسادٍ في تجارته , وشحٍ في كسبه , فينتقل من نشاطٍ إلى آخر , ومن تجارةٍ إلى أخرى ,سعياً وراء الكسبِ, والمنفعة , فلا يكادُ يوفقُ في شيءٍ فيها , فتَسودُ الدنيا في عينيه , وتظلمُ في وجهه , ويفقدُ المسكين أعصابه, واتزانه , ويبدأُ في ندبِ حظهِ , وسوءِ حاله , وتعلوهُ سحابةٌ كئيبة من التشاؤمِ, والتطير , ويتخايل, له الشيطان , يقذفِ في قلبه الشبهةَ تلو الشبهة , أنت لا تصلحُ للتجارة , وأنت ينقُصك الذكاءُ, والسياسة ؟! لماذا لا تغشُ كما يغشون , وتكذبُ كما يكذبون ؟! أتريدُ أن تظلَ في خسارةٍ, وقحطِ ؟! من أين تعيش إذاً ؟! وكيف تواجهُ مصاعبَ الحياةِ, ومتطلباتها ؟! وهكذا يأخذُ الشيطانُ بيد ذلك المسكين شيئاً فشيئاً , حتى يفقدهُ ضميرهُ , ويفقدهُ أمانتهُ , فينتكسُ على عقبيه , قد باعَ عفتهَ, ومرؤ تهَ , وباعَ شهامتهُ, ورجولته , واستساغَ أكل الحرامِ , وأطعمهُ أهلهُ, وأولادهُ الأبرياء , وأيما جسدٍ نبتَ من سحتٍ , فالنارُ أولى به , وصنفٌ من الناس , يرفعُ رايةَ الإصلاحَ في بيته , ويسعى جاهداً لتطهيرهَ من آلاتِ اللهوِ, والفسادِ , ويأمرُ أهله بالحشمةِ والعفافِ , وأبنائهُ بالاستقامةِ, والطهر , فيبتلى بزوجةٍ غافلةٍ لاهيةٍ , قد استحوذَ عليها الشيطانُ , فأنساها ذكرَ الله , فتعلنُ تمردها, واحتجاجها على ذلك الإصلاح المأمول , وتعملُ بكل قواها لإجهاضِ الفكرةِ , في نفسِ زوجها , باذلةٍ في سبيلِ ذلك , كيدها العظيم , ومكرها السيئ الخبيث , فيضعفُ ذلك المسكينُ , أمام كيدِ زوجتهِ ودهائِها , ويفتُر حماسُه , وتتلاشى آمالهُ , فيعودُ بيتُه خراباً , وأهلهُ, وولدهُ دماراً , وصدق الله إذ يقول: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ) ) (التغابن: 14) .

وصنفٌ من الناس , قد رفعَ راية الإصلاحِ , في حارتهِ, وحيهِ , فأخذَ يُناصحُ جيرانهُ , ويدعوهم إلى الصلاةِ, والاستقامةِ, ,ويُحذرهم من المنكراتِ والفتنِ , فما وجدَ إلا الإعراضَ, والصدود ؟! وابتلي بسماعِ أسوأ الأجوبة , وأغلظَ الردودِ , فأصيب َباليأسِ, والقنوطِ , وتخايلَ أمامهُ الشيطانُ , يقذف في قلبه الشبهةَ تلو الشبهة ؟! لماذا تشقى بهؤلاءِ المنحرفين , أتريدُ أن تصلحَ الكون ؟ أصلح نفسكَ أولًا ؟! أنت لا تصلحُ للدعوةِ, والنصيحةِ ؟! أو أنت أديتَ ما عليك , فأتركِ المجالَ لغيرك . وهكذا لا يزالُ الشيطانُ بذلك المسكينِ حتى يتخلى عن دعوتهِ , ويوهمهُ بأنه قد أدى واجبهَ , فيتقوقعُ على نفسهِ, ويرضى بالزرعِ , ويتبعُ أذنابَ البقر . وصنفٌ من الناس , قد رفع راية الإصلاح في مجتمعه كلهِ , وأخذ على عاتقهِ , أعباءَ الدعوةِ إلى الله , والأمرُ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ , فلما أعياهُ طولُ الطريقِ , وبعدُ الشقةِ , وابتلي بطاغوتٍ يخذلهُ, ويخوفه , ومستُه الفتنهُ, والبلاء , آثر السلامةَ, والعافية , وأخلدَ إلى الأرض بائعاً آخرتهَ بدنيا غيرهِ , ذلك هو الخسران المبين !

وبعد , فهذه جملةٌ مختصرة, مما يقع في حياةِ الناسِ , من الابتلاءاتِ, والفتِن يبتلى بها ربنا سبحانه الناس , ليميز الخبيثَ من الطيبِ , ويعلم المفسدَ من المصلح , وقويُ الإيمانِ من ضعيفةِ , ويظهرُ مرضى القلوبِ , وهو بذلك الابتلاء يقيم الحجة على العباد , ويمحصُ الصفوفَ ليُهلك من هلكَ عن بينهٍ ويحيا من حي عن بينه .

باركَ اللهُ لي ولكم بالقرآنِ العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم. واستغفرُ اللهَ لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمدُ لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةَ المسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين,

أمَّا بعدُ:

فإن مما يُعينُ على المسلمِ , حين يواجهُ البلاءَ أياً كان نوعه , أن يتذكرَ أن ذلك هو سنةُ الحياةِ, لا فرق بين مسلمٍ وكافر , قال الله عن الكافرين: (( فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ ) ) (النساء:104) .

فيواجه ذلك الابتلاء , بالتسليمِ, والصبِر الجميلِ , وأن يعتقدَ جازماً أن ما أصابهُ لم يكن يخطئهْ , وما أخطأهُ لم يكن ليصيبهُ , وأنَّ أمرَ الله كان قدراً مقدوراً .

وعليه أن يتذكرَ حالُ السلفِ , وكيف أصابتهم البأساءُ , والضراءُ , وزُلزلُوا , وابتلوا بفقدِ الأهلِ, والولدِ , والأوطانِ, والأموالِ , وأصابهمُ الجوعُ, والفقرُ والعوزُ , فرضوا بما قسمهُ الُله لهم , وبما قدرهُ عليهم, دون أن يتسخطوا , أو يتضجروا , وبأتِ جهودَ الشيطانِ في إغرائهم, وتوهينِ عزائمهم بالفشلِ الذريعِ , حتى كان فيهم , من إذا سلكَ فجاً , سلكَ الشيطانُ فجاً غيَر فجه , كلُ ذلك حين عظُمَ الإيمانُ في قلوبهم , وتمكنتِ العقيدةُ من نفوسهم , ووصلوا الغايةَ في تقديسِ ربهم , والتسليمَ لقضائهِ, وحكمتهِ , فرفعَ الُله عنهم البلاءَ , وأبدلهم بالخوفِ أمناً , وبالذلِ عزاً , وبسطَ لهم في أرزاقهم , وأتتهمُ الدنيا, وهي راغمةٌ , وفتحوا البلادَ , وأنفقوا كنوزَ فارسٍ والروم في سبيل الله .

ومما يعينُ على رفع البلاء , صدق اللجوءِ إلى الله تعالى , والاستعانةُ به وحده والتضرعُ بين يديه , والإلحاحُ في سؤالهِ سبحانه , وقبل ذلك, ومعه , إصلاحُ النفسِ بتزكيتها وتطهيرها من شؤم المعصية ,والتوبة من الذنوب كلها , فما نزل بلاء إلا بذنب , وما رفع إلا بتوبة , قال الله تعالى: (( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) ) (الشورى:30) .

اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوقُ إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةٍ مضلة،

اللهمَّ زيِّنَا بزينةِ الإيمانِ واجعلنا هُداةً مُهتدين, لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروفِ آمرين, وعن المنكر ناهين يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمامُ المتقين، وقائدُ الغُرِّ المحجلين، وعلى ألهِ وصحابته أجمعين.

وأرضي اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعلي

اللهمَّ آمنَّا في الأوطانِ والدور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربِّك ربِّ العزةِ عما يصفون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت