لقد أهتم سلفُنا الصالح ، برعايةِ أبنائهم, وتربيتهم على العقيدة الصحيحة ، والسلوك الحميد, وربوهم على الجهادِ, والبذلِ والفداءِ ، فنشأوا فرساناً في النهار, رهباناً في الليل ، فكانوا قرة عينٍ لآبائهم في حياتهم. وذكراً طيباً لهم بعد مماتهم. ولقد كان صبيانُ الصحابةِ ، يتسابقون إلى صفوفِ القتالِ وساحاتِ الوغى ، حتى قبل بلوغهم الحُلُم, والتكليف. فها هو عبد الله بن عمرَ بنِ الخطاب ، ينتظمُ في الصفوفِ يومَ بدر ، فيردهُ النبي r لصغر سنه، ثم ينتظمُ في الصفوف يوم أحدٍ ، فيردهُ النبي r لذات السبب ، فما أجازه إلا يومَ الخندق ، فانظر إلى همة ذلك الغلام البطل, وشجاعتهِ ، ولا عجب ، فقد رباه أبوهُ فأحسن تربيتهُ ، فنشأ مجاهداً, محتسباً ، وعالماً مسدداً!
وتسابق يوم بدر أيضاً معاذ ومعَوذٌ إلى قتل أبي جهل وهما غلامانِ صغيرانِ حتى تركاه يسبحُ في دمائهِ النجسة!
فهؤلاءِ فتيةُ الإسلامِ ، وجدوا بيوتاً طاهرةً فعاشوا في جنباتها ووجدوا آباءً أتقياء فتربوا على أعينهم ، فنشأوا على التدبير, والاستقامةِ ودرجوا على الفضيلةِ, والكرامةِ.
ثم أنظر في اهتماماتِ أبناءِ المسلمين اليوم تجدْها لا تتجاوزُ متابعةَ الكرةِ, والرياضةِ ، أو مشاهدةَ وسائلِ الفسادِ والإفسادِ فينشأون بلا هدفٍ، ولا رسالةِ ، ولا قضيةٍ ولا مبدأ.
ثم إنَّ قضيةَ قٌرناءِ السوءِ ، لا تمسُ خطورتُها النشئَ, والأحداث فقط بل هي تطولُ حتى الشبابَ الكبار ، والكهولَ وكبارَ السنِ, وقد حذر القرآنُ الكريم من شرهم ، والوقوعِ في شِراكهم. يقول الله تعالى: (( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً ) ) [الفرقان:29,28,27] .
فهذه الآيات الكريمات, تصفُ مشهدَ ذلك المفرطِ المسكين ، وهو يعضُ على يديهِ ، كمداً, وحسرةً ، منادياً على نفسه بالويلِ, والثبورِ. ويتمنى الأماني البائسةَ, يا ليتني اتخذتُ مع الرسول سبيلاً. يا ليتني أطعتُ الرسولُ, واتبعتُ أمره,َ ياويلتي ليتني لم أتخذْ فلاناً خليلاً. فهو يتذكرُ رفيقَ عمرهِ ، وصديقَ دهرهِ الذي أسلمُه نَفسَه ، وأجَّرهُ عَقلَه, فقادهُ ذلك الرفيقُ المشوؤم، إلى أسوءِ عاقبةٍ وأقبحِ نهاية.أما اليومَ فهو يعترفُ اعترافاً لا ينفُعه ، ويعتذرُ اعتذاراً لايعبأُ به.
(( لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً ) ) [الفرقان:29] .
لقد استمعتُ خطباً كثيرةً، وحضرت ُمواعظَ عديدةً, ونصحني المشفقونَ المثقفونَ، وذكرنيَّ المحتسبون الغيورون, ولكنَّ ذلك القرينَ المجرم، أضلني عن كل ذلك، فالحقيقةُ حجبها ، والعفةُ دنَّسها، والمروءةَ أذهبها، والرجولةَ أضاعها، والكرامةُ أهانها.
ولكن كل ذلك ، لا يغيرُ من عواقبَ الأمور شيئاً، وصدق الله إذا يقول: (( وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ) ) [الزخرف:39]
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم
الخطبة الثانية
الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين.
أمَّا بعدُ:
ففي صحيح مسلم من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه قال: (( لما حضرتْ أبا طالبٍ الوفاةُ جاءهُ رسول الله r فوجد عنده أبا جهلٍ, وعبد الله بنَ أبي أمية ابن المغيرة, فقال رسول الله r: يا عمُ ، قل لا إله إلا الله ، كلمةً أشهدُ لك بها عند الله, فقال أبو جهلٍ وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب, أترغبُ عن ملةِ عبد المطلب؟ فلم يزلَ رسولُ الله r يعرضها عليه, ويعيد له تلك المقالة حتى كان أخر ما كان كلمهم به, أبو طالب هو على ملةِ عبد المطلب، وأبى أن يقولَ لا إله إلا الله فقال رسول الله r: أما والله لاستغفرن لك, ما لم أنه عنكَ، فأنزل الله قوله تعالى: (( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيم ) ) [1] [التوبة:113] .
لقد جاء النبيُ r يعودُ عمه أبا طالب ، وهو في اللحظاتِ الأخيرةِ من حياته وقد أوشكَ أن يسلمَ الروحَ لبارئها. فأخذ يعرضُ عليه كلمةَ التوحيد إشفاقاً عليه, ورحمةً به. يا عم ، قل لا إله إلا الله ، كلمةً أشهد لك بها عندالله ، فيثبُ الشيطانانِ اللئيمانِ أبو جهل, وابن أبي أمية، ويذكرانِ أبا طالبٍ بملةِ عبد المطلب الوثنية، حتى لا يتنازلَ عنها. ولم يزل النبي الكريم، يعرضُ التوحيدَ على عمه البائس المنكود. ولكن المجرمين الحاقدينِ ينجحانِ في صد أبي طالب عن أن يتلفظَ بكلمةِ التوحيدِ العظيمةِ ، فمات مشركاً, خالداً مخلداً في النار.
فتأملْ أثَر قرناءِ السوءِ. كيف قاد أبا طالب ، عَّم النبي r إلى جحيم لا ينقضي عذابُه, ولاينتهي عقابُه.
لقد كان أبو طالب يدركُ ، صدقَ النبي عليه الصلاة والسلام. ويعرفُ أنَّ ما جاء به هو الحقُ ولكن شؤمَ الرفقةِ السيئةِ ، وقرناءِ السوءِ, والتعصبِ للآباء والأجدادِ, وأوثانهم ، أدى به إلى أسوءِ عاقبة.
وصدق الله إذ يقول: (( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) ) [الأنعام: من الآية33] .
اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ, والشوق إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،
اللهمَّ زينا بزينةِ الإيمانِ، واجعلنا هُداةً مهتدين,لا ضاليَن ولا مُضلين, بالمعروف آمرين, وعن المنكر ناهين، يا ربَّ العالمين, ألا وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجلين وعلى ألهِ وصحابته أجمعين.
وأرض اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين أبى بكرٍ وعمر وعثمان وعلي
اللهمَّ آمنا في الأوطانِ والدُور، وأصلحِ الأئمةَ وولاةِ الأمورِ, يا عزيزُ يا غفور, سبحان ربك رب العزة عما يصفون.
رواه مسلم ورقمه (25) . [1]