فهرس الكتاب

الصفحة 8180 من 9994

روى البخاري ومسلم رحمهما الله في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: (( كانت قريشٌ في الجاهلية ومن دان بدينها يقفون بالمزدلفة عند المشعر الحرام ، وكان سائرُ العربِ يقفون بعرفات ) ) (خ / رقم 4520، م رقم 1218) .

والمعنى أن قريشاً خصت نفسها وميزتها بالوقوف في الحج في مزدلفة دون سائر العرب التي كانت تفيض من عرفات - يعني من الحل -

وقريش وهي تُمارس هذا التطرف الديني كانت تعلم أن الوقوفَ بعرفة من مشاعر الحج التي مضى عليها إبراهيم عليه السلام - ولكن قريشاً تريد أن تميز نفسَها عن الآخرين - ولم تكن هذه هي وحدها أفكار قريش في التطرف والتشريع بما لم يأذن به الله ، فقد كان من آرائهم البدعية الحمسية إنهم حرموا على أنفسهم في حال إحرامهم: ألا يأتطقون ألاقط - أي لا يصنعون وهم محرمون، ولا يأكلون اللحم أو شيئاً من نبات الحرم وهم محرومون في جملة من المحرمات ابتدعوها وألزموا بها أنفسهم ومن وافقهم ما أنزل الله بها من سلطان وكانوا لا يطوفون بالبيت إلا وعليهم ثيابهم ، وألزموا غيرهم من أهل الحل ألا يطوفوا بالبيت إذا قدموا - أول طوافهم إلا في ثياب الحُمس، ومن لا يجدها شراءً أو إعارةً فعليه أن يطوف بالبيت عُريان

واستمرت هذه العوائدُ الجاهليةُ المتطرفة حتى أعلن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ألا يحج العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان ، وأبطل اللهُ عوائد قريش وما ابتدعته في الحج حين نزول القرآن (( فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ) (البقرة: 198/ 199) .

الخطبة الثانية

الحمد لله ربِّ العالمين شرع لنا أكمل الدين ، وخصنا ببعثة خاتم المرسلين ، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له لا يُعبد إلا بما شرع وأشهد أن محمداً عبدُه ورسوله قال وهو الصادق المصدوق (( من عمل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ ) )صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء والمُرسلين .

إخوة الإيمان

المعلم الخامس: وإذا تفاخرت الأممُ بأديانها وتشبثت الشعوبُ بمعبوداتها - من دون الله - فحقٌّ للأمة الإسلامية أن تفخر بدينها الحق، وأن تتمسك بعبادتها الصحيحة وتثبت على هدي السماء ، شعارُها (( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ* قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) ) (الأنعام: 161، 164)

ودليلُها قوله تعالى: (( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ) ) (الأنعام: 70) .

العلم السادس: ولا ينبغي للأمة ِ المسلمة وللفرد المسلم أن تصدَّه عن اتباع الدين الحق والدعوة إلهيه ما يجده من هجمات الأعداءِ ومكرِهم فتلك هجماتٌ وفتنٌ قديمةٌ تجدد ، ووعدُ الله حق (( وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ) ) (البقرة: 217)

(( وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ) ) (البقرة:120) .

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم .

المعلم السابع: وثمة مصطلحاتٌ خادعةٌ وأفكارٌ مرفوضة تُطلق بين الفينة والأخرى باسم (وحدة الأديان) أو (التقريب بين الأديان) أو نحوها من مصطلحات وآراء تُلبس الحق بالباطل، وتنأى عن منهج القرآن في محاورة أهل الكتاب على أساس قوله تعالى: (( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمرن: 64) .

هذا حكمُ القرآن ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ، أما الواقع التاريخي فقد اتسم تاريخُ العلاقات بين المسلمين وأهل الكتاب بالعداء والجهاد المستمر، وكان فتحاً مبيناً في القرون الفاضلة الأولى، وكان النصرُ والتمكينُ متناسباً تناسباً طردياً مع التزام المسلمين بدينهم وأخذهم بأسباب القوة المعنوية والمادية، عبر مراحلَ تاريخية متمايزة ، دون أن تشهد على الإطلاق أي لون من (الوفاق الديني) أو (التقارب العقدي ) بل شعارهم (( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) )ودليلهم (( وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) )وستظل هذه السمةُ باقيةً وملازمةً للطائفة المنصورة حتى قيام الساعة ، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم كما قال رسول الهدى صلى الله عليه وسلم ( د/ أحمد القاضي ، دعوة التقريب بين الأديان 4/1630بتصرف يسير) .

المعلم الثامن: أن هذه الأفكار المرفوضةَ في الدعوة (لتوحيد الأديان) أو (تقاربها) لا تُلغي أهميةَ الحوار بين المسلمين وإتباع الأديان الأخرى من قبل علماء متخصصين راسخين في العلم والدين، ويجيدون لغة الحوار مع الآخرين مع الشعور بعزة الإسلام، وذلك لدعوة الآخرين للحق، والبلاغ المبين، وتوضيح الإسلام بصورته الساطعة، وكشف الباطل، والوصول بالإسلام، إلى شعوب طالما حجبت عن نوره الوضاء، وذلك باستخدام وسائل الإعلام بمختلف قنواتها، والتقنيات الحديثة ووسائلها المختلفة ، فتلك من واجبات المسلمين في الدعوة والبلاغ .

المعلم التاسع: ويبقى بعد ذلك التدينُ بالإسلام الحق أمنٌ من الفتن بإذن الله ، وطريقٌ للسعادة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة .. إنه أعني التدينًَ المشروع طريقُ الجنة: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً ) ) (الكهف: 108,107) .

وهو السبيلُ لمحبة الناس ِوتقديرهم: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ) ) (طه: 96) .

وبه يحصل لهم الأمن في الأوطان: (( الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) ) (الأنعام 82) .

ويتوفر رغد العيش (( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ) ) (الأعراف:96) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت