فهرس الكتاب

الصفحة 8138 من 9994

وَلمَّا عَلِمَ الصحابةُ بذلك وعاصروا رَسولَ اللهِ وَعَايَشُوهُ ، وَلامَسُوا نُزُولَ الوَحيِ عَلَيهِ ، وَجَاهَدُوا مَعَهُ وَصَحِبُوهُ حَضَرًا وَسَفَرًا ، وَعَلِمُوا مَن هُوَ رَسُولُ اللهِ حَقًّا وَصِدقًا، كانت محبَّتُهُم له أَشَدَّ وَأَقوَى ، وَتَوقِيرُهُم له أَكمَلَ وَأَوفى ، وَتَعزِيرُهُم له أَسمى وَأَعلى، أَحَبُّوهُ حُبًّا فَاقَ كُلَّ حُبٍّ ، وَوَدُّوهُ مَوَدَّةً غَلَبَت كُلَّ مَوَدَّةٍ ، فَآثَرُوهُ على النَّفسِ وَالوَلَدِ ، وَقَدَّمُوهُ على الآباءِ وَالأُمَّهَاتِ ، وَأَرخَصُوا مِن أجلِهِ الزَّوجَاتِ وَالضَّيعَاتِ، وَفَارَقُوا لِصُحبتِهِ العَشَائِرَ وَالأَوطَانَ ، وَهَجَرُوا المَسَاكِنَ وَالبُلدَانَ ، ووَدُّوا لو لم يُفَارِقُوهُ لحظَةً وَاحِدَةً ، وَضَرَبُوا في ذلك مِنَ الأَمثِلَةِ أَروَعَهَا ، وَسَجَّلُوا فِيهِ مِنَ المَوَاقِفِ أَصدَقَهَا، وَكَانَت لهم مَعَهُ قِصَصٌ افتَخَرَ التَّأرِيخُ وهو يَروِيها ، وَابتَهَجَت كُتُبُ المَغَازِي وَالسِّيَرِ وهي تحكيها ، وَقَد كانت محبَّتُهُم له ـ صلى اللهُ عليه وسلم ظاهِرَةً لِلعيانِ ، أَدهَشَتِ العُقَلاءِ مِن أَعدَائِهِ ، فَشَهِدُوا بها وَأَبدَوُا استِغرَابَهُم منها ، فها هو عُروَةُ بنُ مَسعودٍ الثَّقَفِيُّ ، وَقَد أَوفَدَهُ المُشرِكُونَ لِلتَّفَاوُضِ مَعَ رَسُول اللهِ في صُلحِ الحُدَيبِيَةِ ، يَقُولُ وقد عاد إلى أصحابِهِ: أَيْ قَومُ ، واللهِ لَقَد وَفَدْتُ على المُلُوكِ، وَوَفَدْتُ على قَيصَرَ وَكِسرَى وَالنَّجَاشِيِّ ، واللهِ إِنْ رَأيتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصحَابُ محمَّدٍ محمَّدًا ، واللهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلاَّ وَقَعَت في كَفِّ رَجُلٍ مِنهُم ، فَدَلَكَ بها وَجهَهُ وَجِلدَهُ ، وَإِذَا أَمَرَهُم ابتَدَرُوا أَمرَهُ ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كادُوا يَقتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصوَاتَهُم عِندَهُ ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيهِ النَّظَرَ تَعظِيمًا لَهُ ...

رواه البخاريُّ وَأَخرجَ الطبرانيُّ عن عائشةَ ـ رضي اللهُ عنها ـ قالت: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ فقال: يا رَسولَ اللهِ ، إِنَّكَ لأَحَبُّ إِليَّ مِن نَفسِي ، وَإِنَّكَ لأَحَبُّ إليَّ مِن وَلَدِي ، وَإِني لأَكُونُ في البَيتِ فَأَذكُرُكَ فَمَا أَصبِرُ حتى آتِيَ فَأَنظُرَ إِلَيكَ ، وَإِذَا ذَكَرتُ مَوتي وَمَوتَكَ عَرَفتُ أَنَّكَ إِذَا دَخَلتَ الجنةَ رُفِعتَ مَعَ النَّبِيَّينَ ، وَإِني إِذَا دَخَلتُ الجنةَ خَشِيتُ أَلا أَرَاكَ ، فَلَم يَرُدَّ عليه النبيُّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ شَيئًا حتى نَزَلَ جبريلُ ـ عليه السلامُ ـ بهذِهِ الآيةِ:"وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا"رَضي اللهُ عن هذا الصحابيِّ ما أبينَ محبَّتَهُ وَأَوضَحَ مَوَدَّتَهُ ! محبَّةٌ يُفَضِّلُ بها رَسولَ اللهِ على كُلِّ غالٍ ، وَمَوَدَّةٌ تجعلُهُ يَتَمَلمَلُ في بيتِهِ وبينَ أبنائِهِ ، فلا يَرتَاحُ حتى يَرَاهُ ، وَلَيسَ هذا وَكَفَى، بَل تَفكِيرٌ يَتَعَدَّى حُدُودَ الدنيا ويَتَجَاوَزُها إلى الآخِرَةِ ، يخافُ معَهُ أن يُحرَمَ رؤيتَهُ في الجنةِ ، فأيُّ حُبٍّ هذا الذي مَلَكَ عليه دُنيَاهُ وآخرتَهُ ؟! وَمِنَ المَوَاقِفِ التي ظََهَرَ فيها صِدقُ المحبَّةِ وَالمَوَدَّةِ ، ما رواه ابنُ إسحاقَ عن عائشةَ ـ رضي اللهُ عنهاـ أنها قالت: كان لا يُخطِئُ رَسولَ اللهِ أَن يَأتيَ بَيتَ أَبي بَكرٍ أَحَدَ طَرَفَيِ النهارِ ، إِمَّا بُكرَةً وَإِمَّا عَشِيَّةً ، حتى إذا كان اليَومُ الذي أَذِنَ اللهُ فِيهِ لِرَسُولِهِ بِالهِجرَةِ وَالخُرُوجِ مِن مكةَ مِن بَينِ ظَهرَي قَومِهِ ، أَتَانَا رَسولُ اللهِ بِالهَاجِرَةِ ، في ساعةٍ كان لا يَأتي فِيها. قالت: فَلَمَّا رآه أَبو بكرٍ قال: ما جَاءَ رَسولُ اللهِ في هذِهِ الساعةِ إِلاَّ لأَمرٍ حَدَثَ . قالت: فلمَّا دَخَلَ تَأَخَّرَ له أَبو بكرٍ عن سَرِيرِهِ ، فَجَلَسَ رَسولُ اللهِ ، وَلَيسَ عِندَ رَسولِ اللهِ أَحَدٌ إِلاَّ أَنا وَأُختي أَسماءُ بِنتُ أَبي بكرٍ ، فقال رسولُ اللهِ: أَخْرِجْ عني مَن عِندَكَ . قال: يا رَسولَ اللهِ ، إِنَّمَا هُمَا ابنَتَايَ ، وما ذَاك فِدَاكَ أَبي وَأُمِّي ؟ قال: إِنَّ اللهَ قَد أَذِنَ لي في الخُرُوجِ والهِجرَةِ . قالت: فقال أَبو بكرٍ: الصُّحبَةَ يَا رَسولَ اللهِ ، قال: الصُّحبَةُ . قالت: فَوَاللهِ ما شَعُرتُ قَطُّ قَبلَ ذلك اليَومِ أَنَّ أَحَدًا يَبكِي مِنَ الفَرَحِ ، حتى رَأَيتُ أَبا بكرٍ يَومَئِذٍ يَبكِي .

اللهُ أكبرُ ـ أيها المسلمون ـ فَدَى أَبو بَكرٍ ـ رضي اللهُ عنه ـ رسولَ اللهِ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ ، وَأَرخَصَ كُلَّ غَالٍ وَنَفِيسٍ ، وَنَسِيَ كُلَّ قَرِيبٍ وَعَزيزٍ ، ولم يَتَذَكَّرْ إِلاَّ صُحبَةَ رَسولِ اللهِ ، نعم ، إِنَّهُ يُرِيدُ شَرَفَ الصُّحبَةِ في الهِجرةِ ، يُرِيدُ أَلاَّ يُفَارِقَ حَبِيبَهُ وَخَلِيلَهُ ، يُرِيدُ أَن يَصحَبَهُ مُقِيمًا وَمُسافِرًا ، فَلَم يُفَكِّرْ في شَيءٍ إِلاَّ في الصُّحبَةِ ، فَسَأَلَهَا رَسولَ اللهِ وَطَلَبِ منه أَن يُشَرِّفَهُ بها ، فَلَمَّا وَافَقَ على ذلك الحبيبُ ، ونال الصِّدِّيقُ وِسَامَ الشَّرَفِ ، بَكَى ـ رضي اللهُ عنه ـ وَذَرَفَت عَينَاهُ ، لماذا ؟ فَرَحًا بِصُحبَةِ حبيبِهِ رسولِ اللهِ .. فَأَيَّ قَلبٍ هذا الذي يَملِكُهُ ؟ وَأَيَّ فُؤَادٍ يحمِلُ بَينَ أَضلُعِهِ ، وَأَيَّ حُبٍّ يَنطوِي عَلَيهِ ، إِنَّهُ حُبٌّ لا يُفَكِّرُ مَعَهُ في أَهلٍ ولا وَطَنٍ ، إِنَّهُ حُبٌّ يُنسِيهِ أَبنَاءَهُ وَمَا مَلَكَت يَمِينُهُ ، فَرَضِيَ اللهُ عنه وَأَرضَاهُ مَا أَقوَى إِيمَانَهُ !! وَرَفَعَ دَرَجتَهُ في الجنةِ ما أَصدَقَ حُبَّهُ ! وَلَيس هذا فَحَسبُ ، بل تَعالَوا نَسمَعْ مَا بَعدَهُ ، فقد روى الحاكمُ في مُستَدرَكِهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت