فهرس الكتاب

الصفحة 8136 من 9994

ومن آثار الخلاف فقدانُ الثقةِ بين العامة والعلماء والأمراء مما يُهيئ لظهور المتزيدين بقضايا الأمة ومن يرقصون على الجراح ويستغلون الأزمات، من أهل الأهواء وأصحاب النفاق، الذي لا تسعفهم ظروف وحدة الأمة على الظهور، ولكنهم يزمعون رؤوسهم في ظروف الفرق والتناحر.

أيها المسلمون: ومن آثار الافتراق انتزاعُ البركة من الفرد والأمةِ بأسرها تصديقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ اللَّهَ لا يَجْمَعُ أُمَّتِي -أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم - عَلَى ضَلالَةٍ وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ ) ) [4] .

والفرقة والاختلاف تؤثر سلباً على النفوس فتصيبها بالإحباط والانكفاء على الذات، فتحرمُ الأمةُ من طاقاتها وتتحطم نفسياتها، وهذه وتلك مكاسب لأعدائها.

فالنحذر من الفرقة وأدواءها المهلكة ولنحرص على جمع الكلمة وردم الفجوات، ولنستشعر جميعاً أننا أمةُ الوحدة، وإن دواعي الاتفاق والاجتماع في ديننا وشريعتنا أكثرُ وأعمق مما عند غيرنا.

وهنا لابد أن نتساءل لماذا اجتمعوا وتفرقنا، ولماذا تضامنوا وتنازعنا؟ لماذا نفترق، وكيف نتفق ما دور الأشخاص والهيئات، والمجتمع والدولة في تحقيق وحدة الأمة؟

أعوذ بالله من الشيطان الله: (( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ) ) ( سورة آل عمران:103) .

الخطبة الثانية

أيها الأخوة المؤمنون: وحين تعرفون شيئاً من أسباب الفرقة والاختلاف.. وآثارها المهلكة، فحري بكم أن تجتنبوها، بل وتبحثوا عن أسبابِ العلاج وعوامل وحدة الصف.

فما هي الوسائلُ المؤدية إلى الاتفاق ووحدة الصف ؟

لابد من العلم أولاً أن الدعوة إلى الاتفاق ووحدة الصف لا تأتي تلبيةً للحاجة الملحة وللظروف المحيطة بالأمة المسلمة فقط وإنما هي استجابةً لأمر إلهي وتحقيقٌ لمطلب شرعي، كما قال ربُّنا تبارك وتعالى: (( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ) (سورة الأنفال:63) .

إن الوحدة في الصف المسلم لازم من لوازم عقيدة التوحيد، ومن علائم خيرية هذه الأمة اجتماعها على الحق، ودعوةُ الناس إليه: (( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) ) (سورة آل عمران:110) .

ولهذا فإن الالتزام بالعقيدة الحقة أولُ الأسس في وحدة الصف، فالعقيدة توحد بين القريب والبعيد، والعربي والأعجمي والغني والفقير، والأحمر والأسود، وتعجز أية رابطة أخرى أن توحد صفَّ المسلمين وتؤلفَ بين قلوبهم.

إن هذه العقيدة ضرورة للفرد ليسعد ويطمئن، وتزكو نفسهُ، وضرورةً للمجتمع ليستقر ويتآخى ويتعاون ويتماسك ويتناصر.

والتخلّقُ بكريم الأخلاق التي أمر بها الشرع عاملٌ مهم في الوحدة كالمحبة والإيثار والعفو والصفح وخفض الجناح وسلامة الصدر والعدل والإنصاف ونحوها من أخلاق تجمعُ ولا تفرق، وتهذب النفوس، وإذا كنا نتفق على أهمية هذه الأخلاق في أحاديثنا فالأهمُ أن نمارسها في واقعنا وأن نتحلى بها في سلوكياتنا .

إن ممارسة الأخلاق المرذولة سهلٌ، ولكن الترفع عن الهنات وستر العورات، والتعامل بلطف مع الزلات وممارسة أعالي الأخلاق هو الذي يحتاج إلى صبرٍ ومجاهدة للنفس.

وانظروا إلى إمام من أئمة الجرح والتعديل وهو يمارسُ الخلق الرفيع ويقول:"ما رأيت على رجلٍ خطأً إلا سترته وأحببت إن أزين أمره، وما أستقبلتُ رجلاً في وجهه بأمرٍ يكرهه، ولكن أبيِّن له خطأه فيما بيني وبينه فإن قبل وإلا تركته (سير أعلام النبلاء 11/83) ."

إنه نموذج رفيع للتعامل مع الأخطاء والزلات فهل نمارسه؟

والعلم والورع سببٌ للتأليف ووسيلة عظمى لجمع كلمة المسلمين، وكلما كان المرءُ ذا علم واسع وورع كلما اجتمعت عليه القلوب، وكلما اتسع أفقُ الإنسان كان أقدرَ على تقدير الآخرين واتسع صدره للمخالفين، أما الجهلُ أو التعالم فهو سببٌ للفرقةِ وضيق الأفق، وكم جنى أولئك المتعالمون على الأمة؟ وكم أصبحت أعراضُ العلماء والدعاة كلاءً مباحاً لمبتدئين في العلم، ظنوا أنهم إذا اطلعوا على بعض الكتب أو نالوا شيئاً من الشهادة قد بلغوا في العلم مبلغاً يؤهلهم لنقد هذا وتقويم ذلك، وتلك ظاهرة قديمة تتجدد.

وهذا الإمامُ أحمدُ بن علي بن الأبار يقول -في زمنه-: (( رأيتُ بالأهواز رجلاً حَّف شاربة، وأظنه قد اشترى كتباً وتعبأ للفتيا، فذكروا أصحاب الحديث فقال: « لَيْسُوا بِشَيْءٍ، لَيْسُوا يسوون شَيئاً، قلتُ له: أنت لا تُحسن تصُلي، قال: أنا ؟ قلتُ: نعم، قلتُ: إيش تحفظ عن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذا افتتحت الصلاة ورفعت يديك؟ فسكت: فقلت: وإيش تحفظ عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا وضعت يديك على ركبتيك؟ فسكت: قلت: إيش تحفظ عن رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا سجدت؟ فسكت، قلتُ: مالك لا تتكلم؟ ألم أقل لك: إنك لا تحسن تصلي؟ إنما قيل لك تُصلي الغداة ركعتين والظهر أربعاً، فالزم ذا خيرٌ لك من أن تذكر أصحاب الحديث، فلست بشيء ولا تحسن شيئاً ) ) [5] .

ومن العجب -كما يقول ابن القيم رحمه الله-: إن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحترازُ من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظُ من حركة لسانه (الجواب الكافي/54) فهل نحفظ ألسنتنا وهل تكون سبباً للتأليف بجميل العبارة، وحسن الظن وتقدير الآخرين؟

التثبتُ مما يُروى والتحري فيما يُقال، ذلك منهجٌ رباني ندب إليه المؤمنون: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ ) ) (سورة الحجرات:6) .

وإذا كانت الشائعاتُ مفسدةً للمجتمعات مفرقةً للجماعات فإن دواءها بالتثبت والتحري وعدم الاستعجال في اتخاذ المواقف، وتلك المواقف المتأنيةُ تُسهم في جمع الكلمة، كما تسهم العجلة في الفرقة والشتات، ألا فتثبتوا ولا تستعجلوا، يا عباد الله، ولا يستخفنكم الذين لا يوقنون.

ومع التثبت إقالة ذوي الهيئات عثراتهم، فإذا كان شخص لا يعرف عنه إلا الخير، ثم كبا كبوةً لا ينبغي أن يسارع لتجريمه وإعانة الشيطان عليه، بل تقال عثرته ما لم تكن حداً، كما قال صلى الله عليه وسلم: (( واقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود ) ) [6] .

وفي الحديث الآخر الصحيح: (( مَنْ أَقَالَ عَثْرَةً أَقَالَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ) [7] .

قال ابن القيم:"وإقالة ذوي الهيئات بابٌ من أبواب محاسن الشريعة الكاملة وسياستها للعالم، وانتظامها لمصالح العباد في المعاش والمعاد" (بدائع الفوائد 3/139) .

إننا في سبيل جمع الكلمة ووحدة الصف لا ينبغي أن نفرح بالعثرة يعثرها أحد إخواننا المسلمين، بل نتألم لذلك ونسارع بنصحه وإقالة عثرته.

ولابد في سبيل جمع الكلمة من ضبط النفس عند حدوث الخلاف، فالشيطانُ حريص على الوقيعة والفرقة بين المسلمين، والشديد ليس بالصرعة إنما الذي يملك نفسه عند الغضب، ولتضيق هَوّة الخلاف ندب الإسلام المتهاجريَن إلى الإسراع بالسلام وخيرهما الذي يبدأ صاحبه بالسلام ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت