فهرس الكتاب

الصفحة 8105 من 9994

مُنادِينَ بِـ ( حُرِّيَّةِ الفِكرِ ) بَل ( حُرِّيَّةِ الكُفْرِ ) ! إِذَا تَكَلَّمَ صَادِقٌ نَصَبُوا لَهُ العِدَاءَ ، وَإِنْ تَبَجَّحَ كَافِرٌ سَكَتُوا وَكَأَنَّ الأَمرَ لا يَعنِيهِم . هَاهُو الكَافِرُ الذي سمَّوهُ ( الآخَرَ ) في مُحاوَلَةٍ لِتَميِيعِ المُصطَلَحَاتِ الشَّرعِيَّةِ ، وَإِضعَافِ عقيدةِ البَرَاءِ في نُفُوسِ المُسلِمِينَ ، هَا هُوَ ذلكم ( الآخَرُ ) يَتَطَاوَلُ على دِينِ اللهِ وَيَستَهزِئُ بِرَسولِ اللهِ ، فماذا عَسَاهُم فَاعِلِينَ ؟ إِنَّ هذا ( الآخَرَ ) الذي تَوَدَّدَ لَهُ بَعضُ سُفَهَاءِ المُسلِمِينَ وَطَلَبُوا رِضَاهُ ، لم يَقبَلْهُم مِن قَبلُ ، وَلَن يَقبَلَهُم بَعدُ ، لَن يُحِبَّهُم وَلَن يُقَدِّرَهُم ، وَلَن يَذهَبَ ما في صَدرِهِ عَلَيهِم أبدًا ، ولا يُقَالُ هذا رَجمًا بِالغَيبِ وَلا ادِّعَاءً كَاذِبًا ، بل هُوَ مَا أَخبرَ اللهُ بِهِ في مُحكَمِ كِتَابِهِ ، إِذْ قَالَ ـ سبحانَه ـ:"هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ ، وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ، وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ ، قُلْ مُوتُوا بِغَيظِكُمْ ، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ"إنها عَدَاوَةٌ مُتَأَصِّلَةٌ ، لا يُذهِبُها زَمَانٌ ولا يُعالِجُها دَوَاءٌ ، وَلا تَهدَأُ مَهمَا قَدَّمَ المسلمون مِن تَنَازُلاتٍ عَن دِينِهِم أَو مَيَّعُوا أَحكَامَ عَقِيدَتِهِم .

وَممَّا يُستَفَادُ مِن هَذِهِ الأَحدَاثِ ـ أيها المسلمون ـ تميُّزُ الطَّيِّبِ مِنَ الخَبِيثِ ، وَظُهُورُ الصَّادِقِ مِنَ الكَاذِبِ ، قال ـ سبحانَه ـ:"مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُم عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ"ثم إِنَّ في الغَربِ ُنصِفِينَ ، فَقَد تُثِيرُهُم تِلكَ الحَملاتُ الشَّعوَاءُ وَتَحمِلُهُم على طَلَبِ الحَقَائِقِ ، فَيَهدِي اللهُ مِنهُم رِجالاً وَنِسَاءً فَيَحمِلُونَ الإِسلامَ في بِلادِهِم ، وَ"إِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ"وَمَا قِصَّةُ إِسلامِ حمزَةَ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ ـ رضي اللهُ عنه ـ عنَّا بِبَعِيدٍ ، فقد كان سَبَبُ إِسلامِهِ استِخفَافَ أبي جَهلٍ بِرَسُولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ إِذْ مَرَّ بِرَسولِ اللهِ يَومًا عِندَ الصَّفَا ، فَآذَاهُ وَنَالَ مِنهُ ، وَرَسولُ اللهِ سَاكِتٌ وَلا يُكَلِّمُهُ ، ثم ضَرَبَهُ أَبُو جَهلٍ بِحَجَرٍ في رَأسِهِ فَشَجَّهُ ، حتى نَزَفَ مِنهُ الدَّمُ ، ثم انصَرَفَ عنه إلى نادِي قُرَيشٍ عِندَ الكَعبَةِ ، فَجَلَسَ مَعَهُم ، وَكَانَت مَولاةٌ لِعَبدِاللهِ بنِ جدعانَ في مَسكَنٍ لها على الصَّفَا تَرَى ذلك ، وَأَقبَلَ حمزَةُ مِنَ القَنصِ مُتَوَشِّحًا قَوسَهُ ، فَأخَبرتْهُ المَولاةُ بما رَأَت مِن أَبي جَهلٍ ، فَغَضِبَ وَخَرَجَ يَسعَى ، لم يَقِفْ لأَحَدٍ حتى دَخَلَ المَسجِدَ وَفِيهِ أَبو جَهلٍ ، فَقَامَ على رَأسِهِ ، وقال له: يَا مُصفِرَ استِهِ ، تَشتُمُ ابنَ أَخِي وَأَنَا على دِينِهِ ؟ ثم ضَرَبَهُ بِالقَوسِ فَشَجَّهُ شَجَّةً مُنكَرَةً ، فَثَارَ رِجَالٌ مِن بني مخزُومٍ ، وَثَارَ بَنُو هاشِمٍ ، فَقَالَ أَبو جَهلٍ: دَعُوا أَبَا عِمَارَةَ ، فَإِني سَبَبْتُ ابنَ أَخِيهِ سَبًّا قَبِيحًا . ثم شَرَحَ اللهُ صَدرَ حمزَةَ للإِسلامِ ، فَاستَمسَكَ بِالعُروَةِ الوُثقى ، واعتَزَّ بِهِ المسلمون أَيَّمَا اعتِزَازٍ ، وكان إِسلامُهُ نَصرًا عَظِيمًا للإِسلامِ . وَإِنَّا لَنَرَى أَنَّ هذا الاستِخفَافَ وَالاستِهزَاءَ مِن هؤلاءِ الطُّغَاةِ في صُحُفِهِم وَوَسَائِلِ إِعلامِهِم ، لَبِدَايَةُ نَصرٍ لِلإِسلامِ وَالمُسلِمِينَ ، وَإِنَّ بَشَائِرَ النَّصرِ لَتَلُوحُ في الأُفُقِ .. هُم يُريدُون أَمرًا ، وَالله يُرِيدُ أَمرًا"وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ ، وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ""أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ"لَقَد دَبَّرَ أَسلافُهُم مِن قَبلِهِم وَمَكرُوا ، وَأعمَلُوا أَفكَارَهُم وَخَطَّطُوا ، وَأَجَالُوا آرَاءَهُم وَتَآمَرُوا ، وَابتَغَوُا الفِتنَةَ وَقَلَّبُوا الأُمُورَ ، وَاستَهزَؤُوا وَخَاضُوا ، فَأَبْطَلَ اللهُ سَعيَهُم ، وَرَدَّ كَيدَهُم في نحُورِهِم ، وحَاقَ بهم مَكرُهُم ، وَنَصَرَ اللهُ نَبِيَّهُ وَأَظْهَرَ دِينَه .

قال ـ سبحانَه ـ:"وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون"وقال ـ تعالى ـ:"لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ""وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ""وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ"

الخطبة الثانية

أما بعدُ ، فاتَّقُوا اللهَ ـ تعالى ـ وأطِيعُوهُ ، وَرَاقِبُوا أَمرَهُ وَنهيَهُ ولا تَعصُوهُ .

أيها المسلمون ، إِنَّهُ وَإِنِ استَهزَأَت صُحُفٌ غَربِيَّةٌ بِالحَبِيبِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ وَسَخِرَت مِنهُ ، فَإِنَّ ذلك لَحَسرَةٌ عَلَيهِم مَا بَعدَهَا حَسرَةٌ ، وَبُؤسٌ لهم مَا بَعدَهُ بُؤسٌ ، إِنَّهُ لَمُؤذِنٌ بِخَرَابِ دِيَارِهِم وَتَمَزُّقِ مُلكِهِم وَذَهَابِ دَولَتِهِم ، وَصَدَقَ اللهُ إِذْ يَقُولَ:"يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ ، مَا يَأتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهزِئُون"لَقَد بَعَثَ رَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ رَسَائِلَ إلى كِسرَى مَلِكِ الفُرسِ وَإِلى قَيصَرَ مَلِكِ الرُّومِ ، وَكِلاهما لم يُسْلِمْ ولم يَتَّبِعِ الهُدَى ، لَكِنَّ قَيصَرَ أَكرَمَ كِتَابَ رَسولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ وَأكرَمَ رَسولَهُ ، فَثَبَتََ مُلكُهُ ، وَاستَمَرَّ في الأَجيَالِ اللاحِقَةِ ، وَأَمَّا كِسرَى فَمَزَّقَ كِتَابَ رَسولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ واستَهزَأَ بِهِ ، فَقَتَلَهُ اللهُ بَعدَ قَلِيلٍ ، وَمَزَّقَ مُلكَهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ ، ولم يَبقَ للأَكَاسِرَةِ مُلكٌ ولم تَقُمْ لهم قَائِمَةٌ . فَأَبشِرُوا ـ أيها المسلمون ـ وَتَفَاءَلُوا ، ولا تَيأَسُوا مِن نَصرِ اللهِ وَلا تَقنَطُوا ، فَإِنها قَضِيَّةُ وَقتٍ لا أَقَلَّ وَلا أَكثَر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت