فهرس الكتاب

الصفحة 8093 من 9994

ولئن مزق الله ملك كسرى حين سخر بالنبي صلى الله عليه وسلم ومزق رسالته فهو قادر على تمزيق كل مملكة تتطاول على مقام النبوة وتسخر بسيد المرسلين .

أخوة الإسلام: ويعلمنا القرآن ويشهد التاريخ أن الله كفى نبيه كيد الكائدين وسخرية المستهزئين ... وعصم نبيه وأظهر دينه على الدين كله ... وإذا كان واقع الحال يشهد على ذلك فشهادة القرآن برهان صدق ... والله يقول: (( إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) ) (الحجر: 95) . ويقول: (( وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) ) (المائدة:67) .

بل يتوعد الله من ينال محمداً بسوء ، ويعتدي عليه بالأذى بالعقوبة واللعنة في الدنيا والآخرة ويقول: (( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً ) ) (التوبة: 61) .

عباد الله: وفي مسلسل حلقات السب والشتم والسخرية والاستهزاء بمحمد صلى الله عليه وسلم ، دونكم هذه الحادثة فتأملوها،وتاريخها يعود إلى نهاية القرن السابع الهجري وتحديداً في سنة ثلاث وتسعين وستمائة وعنها قال الحافظ ابن كثير (واقعة عساف النصراني) وعنها قال: كان هذا الرجل من أهل السويداء (مكان في الشام ) قد شهد عليه جماعة أنه سب النبي صلى الله علية وسلم وقد استجار عساف هذا بابن احمد بن حجي أمير آل علي فاجتمع الشيخ تقي الدين بن تيمية والشيخ زين الدين الفارقي شيخ دار الحديث فدخلا على الأمير عز الدين أيبك الحموي نائب السلطنة، فكلماه في أمره فأجابهما إلى ذلك وأرسل ليحضره، فخرجا من عنده ومعهما خلقً كثير من الناس ،فرأى الناس عسافاً حين قدم ومعه رجل من العرب فسبوه وشتموه ، فقال ذلك الرجل البدوي: هو خير منكم - يعني النصراني - فرجمهما الناس بالحجارة ، وأصابت عسافاً ووقعت خبطة قوية ، فأرسل النائب فطلب الشيخين (ابن تيمية والفارقي) فضربهما بين يديه ورسم عليهما في العذراوية، وقدم النصراني فأسلم ،وعقد مجلسً بسببه ، وأثبت بينه وبين الشهود عداوة، فحقن دمه، ثم استدعي بالشيخين فأرضاهما وأطلقهما ولحق النصراني بعد ذلك ببلاد الحجاز فاتفق قتله قريباً من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله ابن أخيه هناك، وصنف الشيخ تقي الدين ابن تيمية في هذه الواقعة كتابه ( الصارم المسلول على ساب الرسول) (13/318 البداية والنهاية) .

أرأيتم معاشر المسلمين: كيف يحيق المكر السيئ بأهله ، وكيف ينتقم الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ، وكيف يحتسب المسلمون وفي مقدمتهم العلماء على أهل الزيغ والظلال والمستهزئين والساخرين ..إن في ذلك لعبرة ؟

وإذا انتصر شيخ الإسلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتأليف هذا الكتاب العظيم فهل يا ترى يقرأه المسلمون ليعرفوا مقام النبوة ، وعظمة الرسول، وكيف يرد على المستهزئين والمتطاولين ..وهل تؤكد هذه الأحداث المعاصرة ضرورة معرفة حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم والالتزام بها ؟

عباد الله .. وأمر آخر يسر ويفرح ويدعو للفأل وترقب النصر فشدة الهجمة على الإسلام مؤشر إلى قوته والتخوف منه، والتطاول على مقام النبوة والسخرية بالنبي معجل للنصر ..

ويحكى شيخ الإسلام عمن سبق من أهل الفقه والخبرة قولهم: ( كنا نحصر الحصن أو المدينة الشهرَ أو أكثر من الشهر، وهو ممتنع علينا حتى نكاد نيأس منه، حتى إذا تعرض أهله لسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والوقيعة في عرضه تعجلنا فتحه وتيسر، ولم يكد يتأخر إلا يوماً أو يومين أو نحو ذلك ثم يفتح المكان عنوة، ويكون فيه ملحمةٌ عظيمة، قالوا: حتى إن كنا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه، مع امتلاء القلوب غيظاً عليهم بما قالوا فيه) [2] .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ * فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) ) (التوبة 128 ، 129) .

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين والعاقبة للتقوى والغلبة للمتقين والذل والصغار على المشركين والمنافقين .

عباد الله والمسلمون لا تزيدهم هذه الحملات الظالمة إلا تمسكاً بهدي المصطفى- صلى الله عليه وسلم- وثباتاً على الحق، وهم إن دافعو أو ردوا العدوان فهم إنما يدافعون عن أنفسهم ودينهم، ويتعبدون بذلك لخالقهم، لأنهم إن تولوا استبدل الله بهم قوماً غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم.

نعم إن محمدا صلى الله عليه وسلم في عصمة الله ويكفيه دفاع الله عنه، ودينه سيظهر على الدين كله، ذلك وعد غير مكذوب .

لكن السؤال: ما واجبنا نحن المسلمين تجاه هذه الحملات الساخرة ؟ حين يسب الرسول صلى الله عليه وسلم لا يصمت إلا أهل الريب ومن في قلوبهم مرض، وخابت أٌقلام تتوارى حين يكون الدفاع عن الإسلام وعن رسول الإسلام، ولا بارك الله بألسنة تتحدث عن كل شي إلا عن الإسلام وقضايا المسلمين، حين تكون السخرية برسول الله صلى الله عليه وسلم تَشكر وتَعجب، تشكر هذه الغيرة والعاطفة الإيمانية، وتعجب إن كان أصحابها لا يلتزمون بهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم في ذواتهم وفي كل حين، إن الانتصار لمحمد صلى الله عليه وسلم يعني أو ما يعني السير على خطاه والاقتداء بهديه بالمظهر والمخبر، ولا ينبغي أن يكون الانتصار عاطفة تفرغ وكفى .

ألا وأن كثرة الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم أسلوب من أساليب الاستنكار لهذه الحملة الظالمة، حين يسب محمد صلى الله عليه وسلم .

يجدر بالآباء أن يعلموا أبنائهم وبناتهم ما جهلوا من سيرته وهدية .

ويجدر بالمعلمين والمعلمات أن يدعو الطلبة والطالبات للتعرف أكثر على سيرته والالتزام بهدية وسنته، وأعمق من ذلك أن تضمن السيرة النبوية بالمناهج الدراسية من المراحل الأولى وحتى الجامعية .

حين يسب الرسول صلى الله عليه وسلم يجدر بوسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية أن تعنى بهذه السيرة العطرة، وأن تعرف أكثر بهذا النبي المختار، حين يسخر بالنبي صلى الله عليه وسلم خليق بالهيئات والمنظمات الإسلامية، والمجامع والندوات والجمعيات والمؤسسات الإسلامية أن تستنكر وتشجب، وتزيد في رسم برامج مستقبلية تُعرف بالإسلام وبنبيه، وتكشف عن زيغ الزائغين، وترد على المنتحلين، حين يسب الرسول صلى الله عليه وسلم حق على الدول الإسلامية أن تسحب سفرائها من البلاد التي تجرأت على هذه الجريمة النكراء، وتحية لبلادنا السعودية حين سحبت سفيرها في الدانمارك، ونأمل أن تحذو الدول العربية والإسلامية حذوها .

حين يسخر بالرسول صلى الله عليه وسلم حق على كل شعرة في جلد مسلم أن تقف استنكارا وإجلالاً للنبي صلى الله عليه وسلم وحق على كل مسلم ومسلمة أن يري الله من نفسه خيرا تجاه تحقيق المحبة الصادقة للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت