فهرس الكتاب

الصفحة 8090 من 9994

إلا إنَّ من الأحوال التي تستلزمُ الصبَر, ويقتضيه الصبرَ على ما يعتري الإنسان من البلاء في نفسهِ, كأن يفقدَ حاسةً من حواسه, أو عضواً من أعضائه, أو يسريَ المرضُ إلى بقعةٍ من جسده, فيحارُ الطبيب, ويخفقُ الدواء, ويطولُ البلاء, فلا يجدُ المؤمن بالله واليوم والآخر غيرَ الصبِر سيداً للموقف , ومضمداً للجراح , ومخففاً للعناء .

هذا عروةُ بنُ الزبير- رحمه الله- الرجلُ الصابرُ المحتسب, يصابُ بجرثومةٍ تَنْخرُ عظامِ ساقه, فيقررُ الأطباء بترها, فيُسلِّمُ لقضاءِ الله وقدرِه , ويذعنُ لأمرهِ وحكمتهِ, ويُسلُم ساقَه الثمينةَ إلى الطبيب, فينشُرها بمنشارٍ بدائيٍ من حديدِ, فيغيثُ جرحُه دماً و يتفصد جبينهُ عرقاً , ويحترقُ قلبهُ لوعةً واسى على فقدِ قدمه التي ما عرفتْ غيرَ المسجدِ طريقاً تسلُكه, وغيرَ حِلقةِ العلمِ درباً تعبُره, قدمٌ لم تحملْه إلى بوأرٍ مشبوهة , ومراتعَ موبوءة , ولا إلى حيثُ مذابحُ الفضيلة, ومسالخُ العفة

وبينما عروةُ - رحمه لله - يتجرعُ مرارةَ المصيبة , و هولَ الكارثة بإيمانٍ وثبات, إذا بداخلٍ يدخُل عليه يعزيه بابنهِ محمد, فيزدادُ البلاءُ بلاءً, والعناءَ عناءً, فلا يزيدُ على أن يقول: اللهم كان لي بنونَ سبعة فأخذتَ واحداً و أبقيتَ لي ستة , وكان لي أطرافٌ أربعة , فأخذت طرفاً وأبقيتَ ثلاثة ولئن ابتليتَ لقد عافيت .ولئن أخذتَ فقد أعطيت , إن المرء لا يكادُ ينقضي عجبه أمام تلكَ الهممِ الشامخةِ من الرجال! وللمرء أن يتساءل أيُ رجالٍ هؤلاء ؟! أين درسوا ؟! أين تعلموا ؟! أين تربوا ؟! لكنَّ العجبَ سَرْعان ما ينقضي وينتهي, ثم ينزوي حين نتذكرُ أنهم رجالٌ تربوا على مائدةِ القران, وارتشفوا من معينِ سنةِ سيدِ البيان عليه الصلاةُ والسلام .

أنهمٌ رجالٌ تربوا (( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ) ) (النور:37,36) .

لقد أدركوا بكل وعيٍ, ووعوا بكل إدراكٍ قيادة ومقودين, أُمراءَ ومأمورين , أنَّ الصبرَ ضياء, والقرآنَ حجةٌ لك أو عليك, وكلُ الناسِ يغدو فبائعٌ نفسَه فمعتقُها أو موبقُها.

وعند البخاري رحمه الله: (( جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ لِي قَالَ إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ قَالَتْ أَصْبِرُ قَالَتْ فَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ فَدَعَا لَهَا ) ) [2] .

فلم تتردد المرآة وقد ذكر لها الجنةَّ بدورِها وقصورِها , أشجارِها وثمارِها, وشرابِها ومائها, ونعيمِها وبقائِها, أن تقول أصبر يا رسول الله فتهونُ أمامَ الجنة كلُ الأسقامِ والأوجاع , وكلُ العناءِ والبلاء , وكلُ الهمِ والحزن, هذه المرأةُ السوداء التي بشرِّت بالجنةِ نظيرَ صبِرِها واحتسابِها, يبشرُ غيرُها بالنارِ وبئسِ القرار حين يفقدُ المُبتلى صواَبه , يغيبُ عنه وعيُه ويستولي الطيشُ على تصرفاتهِ , ويرتكبُ حماقة تذهبُ دنياه وأَخرته .

عند البخاري أيضاً: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِي اللَّه عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ لا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِه,ِ فَقَالَ مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَان-يعني ما قاتل أحد ببسالة وشجاعة مثل ما قاتل فلان- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ قَالَ فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ, وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ قَالَ فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا, فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ, فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابتَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ, ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَه,ُ فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ, قَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّار,ِ فَأَعْظَمَ النَّاسِ ذَلِكَ فَقُلْتُ أَنَا لَكُمْ بِهِ فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) ) [3] .

يا سبحان الله! رجلٌ مجاهدٌ شجاع ! لا يتركُ في المشركين شاذةً ولا فاذة إلا أتّبعها بسيفِه يضربها, لكنه حين أصيب فقدَ صبَره وتصرفَ ذلك التصرف الطائش, فأزهقَ روحَه التي أو تُمن عليها فأستحق ناراً (( نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) ) (التحريم: 6) .

ولا يفوتنك أخي المسلم وأنت تتفكرُ في عاقبةِ التهور التي آل إليها ذلك الرجل, أتذكر أنَّ هذا فيمن قتل نفسَه ، فكيف بمن قتل غيرَه ؟! واحداً أو اكثر ومن الأحوال التي تستدعي الصبرُ كذلك الصبر على فقدِ الصاحبِ والقريب, فإنِّه مهما أجتمع الناسُ في هذه الدنيا ، وطالَ بقاءُهم, ومهما تمتعوا فيها وطاب لقاؤُهم ، فإنَّهم يسفترقون لا محالة . طال الزمانُ أم قصر , وسيفقد الأحبابُ أحباَبهم, والأصدقاَء أصدقاَئهم. والخِلاَّنُ نُدماءَهم, فليسَ غيرُ الصبرِ حصناً حصيناً, أم ضرباتِ الفراقِ وطفقاتِه, هذا نبيُ اللهِ محمدٌ عليه الصلاة والسلام هو في المراحلِ الأولى من دعوتهِ يفقدُ زوجتهُ الحنون ودرتَه المصون, خديجة رضي الله عنها, يفقدها وهو في أمسِّ الحاجة إلى الناصرِ والمعين, بعد أن كذِّبه أقرب الناس إلى شخصهِ الكريم . فما شقَّ جيباً ولا ندبَ حظاً, ولاشتمَ دهراً, ولكنَّه رضي وسلم وصَبر واحتسب, بل أن البلاءَ ليلاحقُه بفقد أبنائه جميعاً واحداً بعد الأخر, سوى فاطمة, ويظُل ثابتَ القدمين, رابطَ الجأش, قوي الإيمان, صادقَ اليقين,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت