فهرس الكتاب

الصفحة 8039 من 9994

أيها الأحبةُ الأفاضل: لقد صَنَعَ النبيُ- صلى الله عليه وسلم- من الحمقى والمغفلين، والمتطاحنين داحسٍ والغبراء، وحربِ البسوس، والفِجَار, لقد صنع منهم مجتمعاً مِثالياً فريداً, فريداً في قيمهِ، فريداً في أخلاقهِ، فريداً في تعامله، فريداً في عطائهِ, فريداً في إيثارهِ, فريداً في وحدةِ أبنائه, وهذه الأخيرةُ بالذات عجيبة العجائب, وفريدة الفرائد، فإنَّك مهما قلَّبتَ النظر، وتأملتَ التجاربَ الإنسانيةَ عبرَ التاريخ، وما جرى ويجري من محاولاتٍ وحدويةٍ بين المجتمعات, فلن تجدَ أنموذجاً وحدوياً, كذلك الذي صنعهُ النبيُ- صلى الله عليه وسلم- بين أصحابهِ, ذلك الأنموذجُ الوحدوي, الذي قامَ على ركائزٍ من العقيدةِ راسخةً, وقواعدَ من الإيمانِ ثابتة, لا تتنازعُها الأهواء، ولا تتجاذبُها السُبل .

لقد خطط النبيُ- صلى الله عليه وسلم- بعبقريتهِ الفذة، ومهارتهِ الفائقة، ليحصلَ التوافقُ والتلاؤم والوحدة, بين جماعةِ المهاجرينَ وجماعةِ الأنصار، تلك الجماعتان اللتان أصبحتا فيما بعد، نواةَ الدولةِ الإسلاميةِ الأولى، ونقطةَ الانطلاقة لدولةِ الإسلامِ العالمية، تلك الدولة التي حكمتْ يوماً ما ثلاثةَ أرباعِ العالمِ المعروف آنذاك، لقد جاهدَ النبيُ- صلى الله عليه وسلم- لتحقيقِ الوحدةِ بين أمته، على أساسِ العقيدةِ الراسخة، والعبوديةِ الخالصة, وتناسيِ الماضيِ الدموي، والتعصبِ القبلي, والتعالي على كلِّ الروابطِ الأرضية، التي تجمعُ بين الناس في تكتلاتٍ هشةٍ بالية قابلةٍ للسقوط عند الدفعةِ الأولى, لقد كانتْ وحدةً إيمانيةً بالدرجةِ الأولى, خاليةً من الشعاراتِ الفارغة، والمضامينِ التافهة, والعصبياتِ المنتنة, وهذا سرُّ نجاحِها وتفوقها، واستمرارِ بقائِها حِقبةً من الزمن ليست باليسيرة، كانتْ الأمةُ فيها مضربَ المثل في التلاحمِ, والقوةِ والوحدة .

حتى دارَ الزمانُ دورَته, وعادَ الإسلامُ غريباً كما بدأ, وإذا بالدولةِ الإسلاميةِ التي لم يكنْ ليتجاوزَ أرضُها ماءُ السحاب, إذا بها مفتتةَ الأجزاء, مُمزقةَ الأشلاء, مبعثرةَ القوى, وإذا بالأُمةِ الواحدة تنقسمُ شيعاً وأحزاباً, كُلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون, وإذا بالرابطةِ العقدية التي كانتْ تجمعُ الأمةَ وتوحدُها, إذا بها تُحملُ إلى متحفِ التاريخ, وذكرياتِ الأمس, وتستبدلُ بروابطَ جاهليةٍ من قوميةٍ وعشائريةٍ ونحوِها, وأصبحتْ محاولاتُ المسلمينَ الوحدوية تقومُ على أساسِ اللغةِ، أو الإقليمِ، أو الأصولِ العرقيةِ المشتركة, وغابَ عن أولئكَ الجهلة أنَّ أيَّ محاولةٍ للوحدةِ بين المسلمين لن يكتبَ لها النجاحُ والاستمرار, ما دامتْ مفتقرةً إلى العقيدةِ الراسخة, والإيمانِ الحي المتوهجِ في النفوس.

ويشهدُ لذلك تلك المحاولاتُ الوحدويةُ الكثيرة, التي عَرفها المسلمون في عصورِهم المتأخرة، والتي لم تقوى على البقاء غيرَ أسابيعَ معدودة، أو أشهرٍ محدودة, ثم تحولتْ بعد ذلك إلى عدا واتٍ مستحكمة، ونزاعاتٍ مستمرة, وإذاعاتٍ وأبواق لا تملُّ من الشتمِ والسباب, ولقد كانَ أحرى بالمسلمين أن يستوعبوا المنهجَ الذي اختطهُ المصطفى- صلى الله عليه وسلم- لنفسهِ، وهو يسعى جاهداً لتوحيدِ الأمة, وجمعِ شَتاتِها على أساسِ العقيدةِ الراسخة، والإيمانِ المتغلغلِ في النفوس, لكنَّهم غفلوا وعَمُوا وصَمُّوا, ثم عَمُوا وصَمُّوا عن ذلك المنهجِ الأصيل, وأعجبوا بالشعاراتِ الزائفة, والنزاعاتِ الطائفية المنتنة, واغتروا بمن حولَهم من الكفار الذين أقاموا تحالفاتِهم وتكتلاتِهم, وأنشاؤا جمهورياتِهم على أساسٍ قوميٍ أو وطني .

ونسيَ المسلمون ما آلتْ إليه كثيرٌ من تلك التحالفاتِ, والاتحاداتِ الكافرة من الفشلِ الذريع, والسقوطِ السريع, فلقد رأى الجميع كيف انهارَ ما كان يُسمى بالاتحادِ السوفييتي وانتبه - رعاك الله - إلى كلمةِ (الاتحاد) , فلقدْ تفتتَ ذلك الاتحاد، وأصبحَ أيادي سبأ, ذلك الاتحاد الذي افتتنَ الكثيرونَ بصلابتهِ وضخامتهِ، وشدةِ بأسهِ وقوتهِ، فراحوا ينادونَ باتخاذِ منهجه، واقتفاءِ أثره !

وهذا الاتحاد اليوغسلافي الذي ظلَّ متماسكاً صلباً لعقودٍ من الزمن، إذا به ينهارُ فجأةً، ويتمزقُ إلى دويلاتٍ متناحرةٍ، يَنشبُ بينها صراعٌ دمويٌ عنيف، وتوجسٌ وشك عنيف، وما ذلك إلا لكونهِ إتحاداً يقومُ على الإقليميةِ، والنزعةِ القوميةِ الجاهلية .

وهذه ايرلندا التابعةُ للمملكةِ المتحدة، وانتبه لكلمة (المتحدة) أيضاً هاهي ايرلندا منذ عشراتِ السنين، وهي في مناوشاتٍ مستمرة، ومحاولاتٍ متتابعةٍ للانفصال، مع أنَّ اللغةَ واحدة، والديانةَ نصرانيةٌ وثنيةٌ مشتركة, ومع ذلك هم جادونَ في طلبِ الانفصال وتفتيتِ المملكةِ المتحدة، والدولةِ التي كانتْ لا تغيبُ عنها الشمس.

وهذه مقاطعةُ كيبوك في كندا، لها سنواتٌ طويلة وهي تطالبُ بالانفصال عن الاتحادِ الكندي، ممَّا أجبرَ السُلطاتُ إلى إجراءِ استفتاءاتٍ شعبيةٍ, أظهرتْ نتائجُها أنَّ تسعاً وأربعينَ في المائة من سكانِ المقاطعة, يرغبونَ بالانفصال, مع أنَّ الجميعَ يدينُ بالنصرانية، وتعودُ أصولُهم العرقيةُ إلى منشأٍ واحد .

بل هذه الولاياتُ المتحدةُ الأمريكية، قبلةُ المفتونين, ومَضربُ المثلِ في القوةِ والاتحاد، لدى الانهزاميين في شرقِ المعمورةِ وغر بها.

هاهي الدولةُ الكُبرى، والقوةُ العظمى، قدْ بدأتْ فيها بوادرُ الفُرقةِ والانهيار, فقد أظهرتْ بعضُ الولاياتِ الغنية كثيراً من التبرمِ والتضجر، من جراءِ تحملِها عبءَ الولاياتِ الفقيرة واستنزافِها لحجمٍ هائلٍ من مواردِها الاقتصادية, وعوائدِها المالية، ناهيكَ عن نشوبِ النزاعاتِ العرقيةِ بين الطوائفِ المتنافرة ذاتِ الأصولِ المختلفة، والتي قدمتْ البلادَ من أوطانٍ شتى تحملُ ثقافاتٍ متباينة، وولاءَاتٍ متضاربة.!

إنها نماذجُ نسوقُها من بلادِ الكفرِ والإلحاد، ليعتبرَ بها المخدوعون ببريقِ الكفارِ وزيفِهم, لعلمنا بأنَّ البعض لا يكفُّ عن سفههِ، ولا يتوقفُ عن حماقتهِ, ولا يتخلى عن رأيه, إلا حين تذكرُ له العبرةُ من أسيادهِ في الغربِ أو الشرق، هذا إن كانَ منصفاً, وإلا وما أكثرُ الناسِ ولو حرصتَ بمؤمنين .

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين.

أمَّا بعدُ:

فحين تُحاكُ المؤامرات، وتُطلُ الفتنُ بوجهِها القبيح تتعالى الصيحات وتتوالى النداءات، بأهميةِ تحقيقِ الوحدةِ بين أبناءِ الأمة, وضرورةِ ترسيخِ مبدأِ التكاتفِ والتعاونِ بين الجميع, والتصدي للمتآمرين, وهذا مطلبٌ حسنٌ ما أجمله, لكنَّ السؤالَ الذي يفرضُ نفسَه، كيف تكونُ الوحدة ؟ وعلى أي شيء تَعتمد ؟ وما مقوماتها ؟! إنَّ الكيفيةَ الوحيدة، والمنهجيةَ الفريدة التي يمكنُ من خلالِها تحقيقُ الوحدةِ بين أبناءِ الأمة, هي ذات الكيفية، وعينُ المنهجية التي سلكَها رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- مع أصحابهِ يومَ أمضى ثلاثةَ عشرَ عاماً وهو يدعوا إلى تصحيحِ المعتقد، وغرسِ التوحيد في النفوس لكي يعبدَ الجميعُ إلهاً واحداً, وتتجهَ القلوبُ إليه دونَ سواه, وتصرفَ الولاءَ له وحده دون غيره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت