ونظر إلى الكعبة فقال: (( ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده، لَحُرْمَة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله ودمه ) ).
أيها الإخوة المؤمنون: يجبُ علينا أن نبتعد عن إيقاع الأذى وإلحاق الضرر بغيرنا حتى لا نكسب إثمًا عند الله ، (( وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ ) ) (النساء:111) .
ومن أشدِّ أنواع الأذى التعدي على المؤمنين أثناء سيرهم في الطرقات العامة, علمًا بأن حق الطريق حق مشترك، وينبغي على كل فرد أن يفسح الطريق لأخيه حتى لا يقع مكروه لا تحمد عقباه، (( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ) ) (الأحزاب:58) .
ومن صور الإيذاء إيقاف السيارات بطريقة عشوائية تضيِّق على الآخرين وتعطل مصالحهم.
أيها المسلم ياقائد المركبة: إنه ينتج من تفريطك قتل نفس بغير حق، أو إتلاف للأملاك، أو الأموال الخاصة أو العامة، وكلها مما حرم الله إتلافه بغير حق، وكم من الحسرة ستلاحقك طوال حياتك، إن كان قلبك حي، إن تسببت في قتل نفس.
نعم إن ما قدره الله لا بد أن يكون، ولكن حين يقع القدر وقد عملت الأسباب،فأنت معذور غير ملوم وتسلم من الإثم ويرحمك كل محب ويشفق عليكم كل صديق ويعوضك الله خيراً، فعليك أن تتقي قدر الله بقدر بكل ما تملك وتستطيع من أسباب مباحة ومشروعة، وليس عليك بعد ذلك رد قضاء الله، والأصل في ذلك قول رسول الله: (( اعقلها وتوكل ) ) [7] .
فاتقوا الله رحمكم الله ، والتزموا آداب دينكم، فالسير الآمن مقصد من مقاصد الشريعة، ووصف بارز من صفات عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً.
والرفق يا عباد الله ، أدب رفيع من الآداب النبوية التي تحث على الرفق في الأمر كله، قال: (( إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ) ).
ويقول: (( إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه ) ) [8] .
ويقول: (( إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه ) ) [9] . ويقول: (( من يُحرم الرفق يحرم الخير كله ) ) [10] .
فينبغي لكل مسلم أن يتصف بالرفق والهدوء في أموره عامة وفي قيادته للسيارة خاصة.
فالسرعة لا تحقق لصاحبها شيئاً، فإن كان مقصده من السرعة تدارك أمر يخشى فواته، فلربما كان الفائت عمره وماله.
وما أحسن قول القائل:
والرفق يمن والأناة سعادة فتأنّ في رفق تنال نجاحا
وقال الآخر:
قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل
فاتقوا الله يا عباد الله في أنفسكم وفي أولادكم، والتزموا بحفظ نظام السير وتعاونوا مع كل مسؤول عن مصالح المسلمين، وتعاونوا على البر والتقوى ليحصل بذلك الأمن والسلامة لجميع المسلمين.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمد الشاكرين ، أحمده سبحانه على ما منح من النعماء، وأشكره على واسع العطاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تقدس في الذات والصفات والأسماء، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، سيد المرسلين، وخاتم الأنبياء وإمام الحنفاء، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الأوفياء وأصحابه النجباء، والتابعين ومن تبعهم بإحسان مادامت الأرض والسماء.
أيها المسلمون: إن حفظ النفس أحد الضروريات التي جاءت الشرائع السماوية بتقريرها وإيجابها وشرعت لذلك شرائعاً وحدوداً كثيرة .
عباد الله انتشر بين شباب المسلمين ظاهرة التفحيط الخطيرة بالإضافة إلى السرعة الزائدة وقطع الإشارات وهي ثلاثة من أخطر المخالفات المرورية التي تؤدي إلى خسائر فادحة في الأنفس والممتلكات وكم هي نتائج التفحيط والاستعراضات الإجرامية ؟ إنها أرقام مذهلة ؟إنه إرهاب من نوع آخر نراه ونشاهده في الأسواق وعند المجمّعات يستولي على الطرقات بكل سفه وغطرسة !!!... إنه أذى وعبث وإتلاف واعتداء على الآمنين وإزهاق للأرواح (( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ) ) (الأحزاب: 58 ) .
التفحيط ... ظاهرة مرعبة لكنها عند كثير من الشباب مجرد لعبة وهواية نعم لعبة ولكنها لعبة الموت... ومن الغريب والعجيب حفا ازديادها وكثرتها في أيام الامتحان وفي زمن حصاد التحصيل العلمي!! إن هذا التزامن غاية في التناقض بين العلم والعمل !! فالطالب في ذروة التواصل مع المادة العلمية وبالمقابل في ذروة الفوضى والعبثية فمن المسئول ؟
المادة العلمية المكثفة في الجوانب الأخلاقية والتي يتلقاها أبناؤنا أين تأثيرها في الانضباط والتعقل ومعرفة حقوق الغير وآداب التعامل وحق الطريق .!؟
عباد الله: التفحيط شكل من أشكال إيذاء الناس غير المبرر ، ودلالة على عدم الإكتراث بسلامة وممتلكات الآخرين ، ومنافِ لما جاءت به الشريعة .
وكم تختفي جرائم أخرى تحت هواية التفحيط والدوران في الأحياء ؟ فمن ترويج للمخدرات والمسكرات إلى المعاكسات وقضايا إركاب الصغار وانتهاك أعراضهم إلى جرائم السرقات ! فهل ينتبه لذلك المسؤلون والأولياء والمربون ؟
عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) ) [11] .و عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل ؟ قال ( إيمان بالله وجهاد في سبيله ) . قلت فأي الرقاب أفضل ؟ قال ( أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها ) . قلت فإن لم أفعل ؟ قال ( تعين صانعا أو تصنع لأخرق ) . قال فإن لم أفعل ؟ قال (( تدع الناس من الشر فإنها صدقة تصدق بها على نفسك ) ). [12]
عباد الله: لقد تسامع الجميع بذلك الحادث المروع قبل يومين في هذه المدينة الذي ذهب ضحيته خمسة من الشباب في ريعان شبابهم - رحمهم الله - وهذه هي نتائج السرعة والتفحيط وسوء التربية والتوجيه والمتابعة !!ولسنا والله شامتين ولكننا معتبرين ومنذرين . نسأل الله أن يجعل وفاتهم رحمة لهم وتكفيراً ، ولغيرهم عبرةً وتذكيراً
إن بعضاً من المسلمين هداهم الله ومنّ عليهم بالهداية والتوفيق يتساهلون في جعل السيارات بأيدي صغار أبنائهم، وكلوها إلى قوم صغار السن أو صغار في العقل والتصرف ، تجده يقود السيارة بكل كبر وغطرسة ، إنه من المهم أيها الأب: أن تعلم عن قيادة ابنك بعيداً عن نظرك ، فلربما تختلف حاله - سرعة وتفحيطا -إذا كان بعيدا عن نظرك وهي من قضايا ازدواجية التربية عند الشباب - هداهم الله -.
ومن تأمل حقيقة مقاصد الشريعة التي من أهمها حفظ الأبدان والأرواح،علم أن السماح لهذا الصنف بالقيادة مما يهلك الأبدان والأرواح، وإن منع الصغار عن القيادة ومن في حكمهم، حتى يصلوا إلى حالة تسمح لهم بقيادة السيارة، وبعد معرفة أنظمة المرور في البلاد، وبعد معرفة التعامل المتزن الدقيق مع هذه الآلة، يعتبر عين الحكمة والمصلحة .