أيها المسلمون: ونحن مُقبِلُونَ على الإِجازةِ الصَّيفِيَّةِ ، التي يَفرُغُ فيها أَبناؤُنا بَعدَ شُغلٍ وَيَرتَاحُونَ بَعدَ عَنَاءٍ ، ثم تَضِيعُ على كَثيرٍ مِنهُم في سَهَرٍ طَوِيلٍ وَنَومٍ وَبِيلٍ ، وَإِضَاعَةٍ لِلصَّلَوَاتِ وَاتِّبَاعٍ لِلشَّهَوَاتِ ، فَإِنَّ هذِهِ دَعوَةٌ لإِحيَاءِ مَفهُومِ العِبادةِ الشَّامِلِ في حَيَاتِنا وَحَيَاةِ أَبنَائِنا ، وَتَذكِيرٌ بِلُزُومِ تَبيِيتِ النِّيَّةِ الصَّالحةِ مِن أَوَّلِها على أَلاَّ تمضِيَ إِلاَّ وَقَدِ استَفَادُوا وَاستَفَدنا ، وَأُجِرُوا وَأُجِرْنَا ، فَإِنَّهُ لَمِنَ الخَسَارَةِ الوَاضِحَةِ وَالغَبنِ البَيِّنِ ، أَن تَرَى بُيُوتًا كثيرةً وَأُسَرًا مُتَعَدِّدَةً ، تَضِيعُ عَلَيهَا تِلكَ الأَوقَاتُ الثَّمِينَةُ وَالسَّاعَاتُ الغَالِيَةُ ، وقد تَكُونَ أَرهَقَت أَنفُسَهَا وَأَبنَاءَهَا وَأَنفَقَت وَبَذَلَت ، لَكِنْ في غَيرِ طَاعَةٍ وَعَمَلٍ صَالحٍ ، وعلى غَيرِ أَجرٍ وَثَوَابٍ ، بل قَد تَكُونُ على وِزرٍ وَعِقَابٍ ،، إِنَّ مَا انتَشَرَ لَدَى النَّاسِ في مُتَأَخِّرِ السَّنَوَاتِ مِن غَفَلَةٍ عَنِ الهَدَفِ الذي أُوجِدُوا في هذِهِ الحَيَاةِ مِن أَجلِهِ ، ثم ذلك الانفصِامَ الذي بُلِيَ بِهِ فِئَامٌ مِنهُم في شَخصِيَّاتِهِم ، وَالفَهمَ السَّقِيمَ لِلتَّروِيحِ عَنِ النَّفسِ وَإجمامِها ، أَوجَدَ مِنهُم مَن يجعَلُ مَوَاسِمَ إِجَازَاتِهِ وَأَوقَاتَ فَرَاغِهِ مِن شُغلِهِ فُرَصًا لِلتَّحَرُّرِ مِن عِبَادَةِ مَولاهُ وَالانفِكاكِ مِن رِقِّ العُبُودِيَّةِ الذي شَرُفَ بِهِ ، وَمِن ثَمَّ الوُقُوعُ في حَبَائِلِ الشَّيطَانِ وَشِرَاكِهِ ، وَإِذلالُ النَّفسِ التي كَرَّمَهَا اللهُ بِعِبادَتِهِ وَالسَّمَاحُ لها بِعِبَادَةِ الشَّيطَانِ وَالسَّيرِ في خُطُواتِهِ ، يَتَّضِحُ ذلك في التَّصرُّفَاتِ التي تَعُجُّ بها الإِجازاتُ ، أَو تَظهَرُ في أَمَاكِنِ السِّيَاحَةِ وَالمُتَنَزَّهَاتِ ، مِن سَهَرٍ في اللَّيلِ على غَيرِ طَاعَةٍ ، وَنَومٍ عَنِ الصَّلَوَاتِ بِلا استِنكارٍ ، وَسَفَرٍ لِبَلادِ الكُفرِ أَو بِلادِ الإِبَاحِيَّةِ ، وَإِعطَاءِ النَّفسِ ما تَشتَهي وَتَرغَبُ مِنَ الكبائِرِ وَالموبِقَاتِ ، وفَتحِ المجالِ لها لِتَعُبَّ مِنَ الشَّهَوَاتِ عَبًّا ذَرِيعًا ، وَكَأَنَّ مَفهُومَ الإِجازَةِ قَدِ اتَّسَعَ لِيَشمَلَ إِعطَاءَ النَّفسِ الرَّاحَةِ حتى مِن عِبَادَةِ خَالِقِها ، وَإِفلاتَهَا مِن طَاعَةِ مَولاها ، وهذا الواقِعُ المُرُّ ـ أيها المسلمون ـ يُحَتِّمُ عَلَينا مُرَاجَعَةَ أَنفُسِنَا وَإِعَادَةَ النَّظَرِ في مَفَاهِيمِنا ، وَالسَّعيَ لِلتَّصحِيحِ وَالعَودَةِ إلى جَادَّةِ الصَّوَابِ ، لِنَجعَلَ أَنفُسَنَا وَأُسَرَنَا وَمجتمعاتِنا ، رَبَّانِيِّينَ كَمَا أَرَادَ اللهُ لَنَا حِينَ خَلَقَنَا .
أيها المسلمون: إنها نِيَّةٌ صالحةٌ مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ ، يَتبَعُها تَعلِيمٌ للأَبناءِ وَتَذكِيرٌ ، ثم تَطبِيقٌ عَمَلِيٌّ لِبَعضِ الأَعمَالِ الصالحةِ ، في مُتَابَعَةٍ جادَّةٍ وتَشجِيعٍ وَتحفِيزٍ ، وَمِن ثَمَّ فَوزٌ بِالأَجرِ وَجمعٌ لِلحَسَنَاتِ ، وَابتِعَادٌ عَنِ الوِزرِ وَتَكفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ ، وَلا أَظُنُّ مُسلِمًا تخفَى عَلَيهِ الأَعمَالُ الصالحةُ التي يمكِنُ أَن يُرَتِّبَهَا لِنَفسِهِ وَأَبنَائِهِ في هذِهِ الإِجازةِ ، فَكُلٌّ أَدرَى بِظُرُوفِهِ وَأَعلَمُ بِوَاقِعِ حَيَاتِهِ ، وَلَكِنْ مِن بابِ الذِّكرى والذِّكرى تَنفَعُ المُؤمنِينَ ، فَإِني سَأَذكُرُ بَعضًا مِن هذِهِ الأَعمَالِ ، وَلِكُلٍّ أَن يختَارَ منها ما شاء حَسْبَ قُدرتِهِ وَاستِطَاعَتِهِ وما تَسمَحُ بِهِ ظُرُوفُهُ ، وَمَن وُفِّقَ فَجَمَعَهَا فَنُورٌ على نُورٍ ،، فَمِن تِلكَ الأَعمَالِ التي لا تُكَلِّفُ المَرءَ شَيئًا غَيرَ النِّيَّةِ الصالحةِ ، زَيَارَةُ أَحَبِّ البَقَاعِ إِلى اللهِ وَأَفضَلَهَا ، بَيتَ اللهِ ومَسجِدَ رَسُولِهِ ، لِلعُمرَةِ وَالصَّلاةِ والدُّعَاءِ ، قال ـ عليه الصلاةُ والسلامُ: (( لا تُشَدُّ الرِّحالُ إِلاَّ إلى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسجِدِ الحَرَامِ ومَسجِدِي هذا والمَسجِدِ الأَقصى"وقال:"العُمرةُ إلى العُمرةِ كَفَّارَةٌ لما بَينَهُمَا مِنَ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا"وقال:"صَلاةٌ في مَسجِدِي أَفضَلُ مِن أَلفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلا المَسجِدَ الحرامَ ، وصَلاةٌ في المسجِدِ الحرامِ أَفضَلُ مِن مِئةِ أَلفِ صلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ ) ).
وممَّا يَنبغِي أَن يُعلَمَ أَنَّ مِمَّا يُسَنُّ لِزَائِرِ المدينةِ النَّبَوِيَّةِ ، أَن يَقصِدَ مَسجِدَ قُبَاءٍ فَيُصَلِّيَ فِيهِ ، فقد كان النبيُّ - صلى اللهُ عليه وسلم ـ يأتي مَسجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا ، فَيُصَلِّي فِيهِ رَكعتَينِ ، وقال - عليه الصلاةُ والسلامُ -: (( مَن خَرَجَ حتى يَأتيَ هذَا المَسجِدَ مَسجِدَ قُبَاءٍ فَيُصَلِّيَ فِيهِ ، كان له عَدلُ عُمرَةٍ ) ).
وَمِنَ الأَعمَالِ الصالحةِ التي يُنَاسِبُ فِعلُها في الإِجازَاتِ وَأَوقَاتِ الفَرَاغِ ، زِيارَةُ الأَقَارِبِ وَصِلَةُ الأَرحَامِ ، فَإِنَّنَا في زَمَنٍ قَلَّ فِيهِ الوَاصِلُ وَكثُرَ القَاطِعُ ، وَتَبَاعَدَت القُلُوبُ بما حَلَّ فِيها مِنَ الشُّحِّ ، وَقَوِيَ التَّنَافُرُ بَينَهَا بما أُشرِبَت مِن حُبِّ الدُّنيا والتَّنَافُسِ عليها ، وَصَارَ أَحسَنُ النَّاسِ في صِلَةِ أَرحَامِهِ المُكَافِئَ ، وَحِينَمَا تَأتي الإِجازِةُ ، فَإِنَّ المُؤمِنَ يَغتَنِمُها لِيَصِلَ مَن قَطَعَهُ وَيَزورَ مَن هَجَرَهُ ، طَلَبًا لِجَزِيلِ الأَجرِ واحتِسَابًا لِعَظِيمِ الثَّوَابِ ، وَتَخَلُّصًا مِن كبيرِ الإِثمِ وَشَدِيدِ العِقَابِ ، قال ـ سبحانَه ـ: (( فَهَل عَسَيتُم إِن تَوَلَّيتُم أَن تُفسِدُوا في الأَرضِ وَتُقَطِّعُوا أَرحَامَكُم * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُم وَأَعمَى أَبصَارَهُم ) ) (( محمد:22-23 ) ).
وقال - عليه الصلاةُ والسلامُ -: (( مَن أَحَبَّ أَن يُبسَطَ له في رِزقِهِ وَأَن يُنسَأَ لَهُ في أَثرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ) ).
وقال: (( إِنما الدُّنيا لأَربَعَةِ نَفَرٍ: عَبدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالاً وعِلمًا ، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ ، وَيَعلَمُ للهِ فِيهِ حَقًّا ، فَهَذَا بِأَفضَلِ المَنَازِلِ ، وَعَبدٍ رَزَقَهُ اللهُ عِلمًا وَلم يَرزُقْهُ مَالاً ، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَو أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلانٍ ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجرُهُما سَوَاءٌ ، وَعَبدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالاً ولم يَرزُقْهُ عِلمًا ، فَهُوَ يَخبِطُ في مَالِهِ بِغَيرِ عِلمٍ لا يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَلا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلا يَعلَمُ للهِ فِيهِ حَقًّا ، فَهَذَا بِأَخبَثِ المَنَازِلِ ، وَعَبدٍ لم يَرزُقْهُ اللهُ مالاً ولا عِلمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَو أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلتْ فِيهِ بِعَمَلِ فُلانٍ ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزرُهُما سَوَاءٌ ) ).