فهرس الكتاب

الصفحة 7974 من 9994

لكن أبى اللهُ إلا أن يفضحَ الطواغيت والدجاجلة، ليهلكَ من هَلَكَ عن بينَة، ويحَي من حيَّ عن بينةِ، إذ جعل للساحرِ علاماتٍ يعرفُ بها زيفهُ وكذبهُ، وخزعبلاتٍ تفضحُ مكرهُ وكيدهُ، فمنها ظلمةٌ في الوجه، وقبحٌ في الهيئة، ونتنٌ في الرائحة، ويبدأ في العادة بسردِ معلوماتٍ للمريض، تلقاها من أسيادهِ الجن فيخبرُ المريضَ باسم أمهِ وأبيه، وأختهِ وأخيه، وصاحبتهِ وبنيه، وفصيلته التي توؤيه، و تاريخَه مع المرض ورحلاتِه فيه، وَسَطَ ذهولِ ودهشةِ ذلك المريضِ المسكين، الذي فَغَرَ فاه وحملقَت عيناه، وظنَّ أنه أمامَ معجزةٍ إلهية، ومَكَرمةٍ ربانية، ووليٍ من أولياءِ الله المتقين، وما درى المسكين أنه أمَامَ طاغوتٍ مجرم، وأفَّاكٍ أثيم، ومن ثم يُسلمُ نفسه بطواعيةٍ و خضوع لذلك الساحرِ الدجال، الذي قد يستدعي في الحال مارداً خبيثاً من الجن، ليصرعَ المريضَ بضعَ دقائق ثم يأمرهُ بالخروج، في مسرحيةٍ مستهجنة، ظَهَرَ الساحرُ من خلالِها بمظهرِ المنقذِ البطل، ونَاَلَ إعجابَ بقيةِ الحاضرين من المرضى المغفلين، ودعواتٍ صادقةٍ، بمزيدٍ من النجاح ،و التوفيق .

وممَّا يخدعُ به الساحرُ زبائنَه لينالَ ثقتَهم به، واطمئنانهم إليه، تظاهرُه بالصلاحِ والتقوى، وترددُه على المساجد بين الفينةِ والأخرى .

وقد نشرت صحيفةُ السياسةِ الكويتية، مقابلةً مع أحدِ السحرةِ التائبين اعترف من خلالها، بأنَّ الشياطينَ كانتْ تُرشدهم إلى التظاهرِ بالتقوى أمامَ الناس، كما تأمرَهم بالصلاةِ في المساجد دون نطقٍ بالآيات، أي مجرد حركاتٍ فقط وقد يظهرُ بعضَ الآيات إذا لَزِمَ الأمر، كما ذكر بأنَّ الشياطين تمنعُهم من ارتكابِ الفواحشِ أمامَ الناس، ليقالَ عنه تقيٌ، وولي.

وبهذا يتبينُ مدى العلاقةِ الوثيقة بين الساحرِ و الجن، فإن الساحرَ لا يتوصلُ إلى كثير من أهدافهِ الخبيثة، ومقاصدهِ اللئيمة، إلا بمساعدتِهم إياه.

لكن تنفيذَهم أوامرَه لا يكونُ إلا بعد أن يحققَ الساحرُ مطالبَ الجنِ، كما قَالَ شيخُ الإسلامِ ابن تيميهَ و غيرهُ: كأنْ يكتبَ المصاحفَ بالدمِ، والنجاسة أو يسبَّ الله ورسولَه - عياذاً بالله - أو غيرَ ذلكَ من الكفرِ الصُراح .

أيها المسلمون: أيحل بعد هذا لمؤمنٍ بالله، واليوم الآخر، أن يأتي ساحراً أو عرافاً ؟ أو يلجأ إلى الساحر مهما كانتْ الأسبابُ و الدوافعُ ؟

إن الساحرَ ياهؤلاء حقيرٌ ضعيفٌ، أعجزُ من أنْ يجلبَ نفعاً أو يدفعَ ضراً، وحتى حلُّ السحرِ وإبطالُه لا يجوزُ أن يكونَ بسحرٍ مثلِه، ومن ابتُلي بسحر فأمامهُ الطرقُ الشرعية، والرقى القرآنية، والأدويةُ المباحة، فهي أسبابُ الشفاءِ بحول الله وقوته، لا خزعبلاتُ السحرةِ وترهاتِهم .

ثم عليه أن يجتهدَ في إخراجِ السحر وإبطالِه، فذلكَ من أعظم الأسبابِ أثراً في الشفاء بإذن الله. ذكرهُ ابن القيم رحمه الله وغيره، لكنَّ التحصنَ قبل وقوعِ السحرِ وحصوله أجدى وأنفع، وذلكَ بحسنِ التوكلِ على الله سبحانه، وملازمةِ الأذكارِ والأوراد، والمحافظةِ على الصلواتِ المفروضة في المساجد، وتعلقِ القلبِ باللهِ وحده، فذلك كفيلٌ بإذن الله الحي القيوم بحفظِ العبدِ من نزغاتِ الشياطين وكيدِ السحرةِ والمشعوذين والناس أجمعين، قال الله جل ذكره: (( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ ) ) (الزمر:36-37) .

أيها المسلمون: إنَّ انتشارَ السحرِ والشعوذة في مجتمعٍ من المجتمعات، دليلٌ واضح وبرهانٌ ناصعٌ، على وجودِ انحرافٍ وخلل في عقائدِ الأمةِ وثوابتِها ، فالسحرةُ لا يروجُ سوقُهم، ولا تزدحمُ أبوابُهم، إلا بمقدارِ الضعف الذي أصيبَ به الناس في إيمانِهم وتوحيدِهم، وبيعِهم لدينِهم بأبخسِ الأثمان، كما أنَّ السحرةَ والدجالين لا يمكنُ أن يكشِّروا عن أنيابهم، إلا بغيابِ الأحكام الشرعية التي تستأصلُ جذورَهم، وتقتلعُ شرورَهم، فمن أَمنَ العقوبةَ أساءَ الأدبْ، والواجبُ على أولياءِ المسلمينَ في كلِّ مكان، وضعُ حدٍ لذلكَ الإسفافِ والعبث، الذي يمارسه أولئك المرتزقة من الدجاجلةِ والسحرة، وإضرابِهم و أشباهِهم .

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ونفعني وأيا كم بالذكر الحكيم .

واستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويضر وينفع، ألا إلى الله تصيرُ الأمور. وأصلي وأسلم على الرحمةِ المهداة، والنعمة المسداة، وعلى آله وأصحابه والتابعين،

أما بعدُ: أيها المسلمون: فإن ثمةَ نوعاً آخرَ من السحر لا يقلُ شأناً عن سابقه، ألا وهو سحرُ الكلمةِ، ففي الحديثِ المتفقِ على صحته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن لمن البيان سحراً ) ) [3] .

وحَمَلَ بعضُ العلماء هذا الحديثِ على المدح، كما حمله آخرون على الذم، والحق أنه قد يكون مدحاً، وقد يكون ذماً، والبيان الساحر يكون مذموماً: حين يستغلُ المتحدثُ عذوبةَ ألفاظهِ، وسلاسةَ كلماتهِ فيخادعَ الجماهيرَ بفصاحتهِ وبلاغته التي تأخذُ بمجامعِ القلوب، وحواصلَ العقول، فتُزيّفَ الحقائق وتُنكسُ المعايير، وتُقلبُ المقاييس، فيصبحُ الحقُ باطلاً، والباطلَ حقاً، والأمينُ خائناً، والخائنُ أميناً، والمظلومُ ظالماً، والظالمُ مظلوماً، وفي ظل تلك الفصاحات الساحرة والعبارات الخادعة، يصبحُ المتمسكُ بدينهِ متخلفاً رجعياً، والفاجرُ المستهترُ متحضراً تقدُّمياً، وتكون المتحجبةُ الشريفةُ، خيمة سوداء، والمتبرجةُ السافرة دوحةً غناء .

فأحذر أخي المسلم أن تخدعكَ عباراتهم، وتأسركَ كلماتُهم، واعلم أن هنالك كتَّاباً حملوا لواءَ الدعوةِ بزعمهم، فألَّفوا الكتب، ودبَّجوا المقالاتِ في الصحف، يخلطون فيها السمَّ بالعسل، ويخادعون القراءَ بتطويعِ النصوصِ لمآربهم، وتحريفِ الكلمِ عن مواضعه، زاعمين أنَّهم أصحابُ الفكرِ المستنير في إشارةٍ خاطفةٍ، يصفون بها فقهاء الإسلامِ المحققين، وعلمائهِ الربانيين، بأنهم أصحابُ الفكرِ المظلم، والوعيِ القاصر .

أيها المسلمون: إن للكلمةِ تأثيراً بالغاً في صرفِ الهمم، أو عقدِ العزائم، فكم رفعت إلى العلياء أقواماً، وهبطت إلى حضيض الغبراء بآخرين، يذكرُ أنَّ فرعون جاءه واعظٌ فقَالَ له: ألا أدلك على كلمةٍ واحدةٍ تقولُها وتبقى كما أنت مَلِكاً في الدنيا، ولكَ أضعافُ ملكك في الآخرة ؟ فقال وما هي قال تقول: لا اله إلا الله .

فلما جاء هامان عرضَ عليه مقولةَ الواعظِ، فأجابه هامان بكلمةٍ دغدغتْ عواطفَه، وسحرَت عقله، قال له: أترض أنْ تكون مربوباً بعد أن كنت رباً؟ فخدعتُه تلكَ الكلماتِ المعسولة، فركبَ رأسه وأبى أن يقول لا اله إلا الله، فخَسِرَ الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسرانُ المبين .

(( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) )(قّ:37(.

اللهم إنَّا نسألُك إيماناً يُباشرُ قلوبنا، ويقيناً صادقاً، وتوبةً قبلَ الموتِ، وراحةً بعد الموتِ، ونسألُكَ لذةَ النظرِ إلى وجهكَ الكريمِ، والشوقُ إلى لقائِكَ في غيِر ضراءَ مُضرة، ولا فتنةً مضلة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت