فهرس الكتاب

الصفحة 7966 من 9994

عداوةٌ قديمةٌ قدمَ الإسلام، رفع لواءَها اليهود منذُ أشرقتْ أنوارُ الرسالةِ المحمدية، وتاريخهمُ في المدينة يشهدُ بغدرِهم ومكرهم، وخبثهِم وكيدهِم، فقد عقد النبيُ صلى الله عليه وسلم المعاهدةَ مع اليهود عند أولِ وصولهِ إلى المدينة، على أن يواجهوا سوياً أيَ عدوٍ يواجههم، فماذا كانت النتيجة؟ تربصوا برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا عاش المسلمون أحرجَ ظرفٍ في حياتهم، وأظلمَ ساعةٍ في تاريخهم، يوم تحزبت الأحزابُ، وبلغت القلوبُ الحناجرَ، وزُلزل المسلمون زلزالاً شديداً، في هذه اللحظةِ أعلن اليهودُ خيانتَهم، ونقضوا عهدَهم، وخانوا مواعيدَهم ومواثيقَهم، وطُعن المسلمون من الخلف، فخانت بنو قريظة المسلمين، وكادت المسلمين في أحرجِ ساعةٍ وأشدِّ موقف، وقبل ذلك غدر به بنو النضير، الذين كانوا بأطرافِ المدينة، فخرج إليهم يستعينُ بهم في دفعِ ديةِ العامريين، اللذين قتلَهما أحدُ صحابتهِ خطئاً، فقالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك بما شئت! فجلس النبيُ صلى الله عليه وسلم تحت جدارِ أحدِ بيوتهم، ينتظرهُم يُحضرون ما اتفقوا عليه، وبينما هو جالسٌ أسرَّ بعضُهم إلى بعضٍ زخرفَ القولِ غروراً، إنَّكم لن تجدوا مثلَ هذه الفرصة، فهل من رجلٍ يصعدُ سطحَ هذا البيت فيُلقي صخرةً على رأسِ محمد، فيريحنُا منه، فانطلقَ أشقى القومِ مسرعاً، ولكنَّ الوحيَ كان أسرع، فقامَ النبيُ صلى الله عليه وسلم وعاد راجعاً إلى المدينة تاركاً اليهود، تتفجرُ دماءُ الغيظِ ساخنةً في عروقهم، وهناك أَخبر النبيُ صلى الله عليه وسلم أصحابهَ بما أجمعَ عليه يهود من المكرِ السيئ، والنيةِ الخبيثة، ثم يأمُر- عليه الصلاة والسلام- بتجهيزِ الجيوش ليحاصرَ بني النضير في ديارهم، ويخرجَهم منها صاغرين، وكان قد أجلى قبلهم إخوانهَم بني قينُقاع، حتى قضى في غزوة خيبر على الوجود السياسي لليهود في الحجاز نهائياً!!

إن اللغةَ الوحيدةَ التي يفهمها يهود: هي لغةُ القوة، لغةُ الجهاد، وصيحاتِ- الله أكبر- التي لا يحتملون هتافاتِها.

ما عاد يجدينا البكاءُ على الطلول ولا النواح

يا قومُ إنَّ الأمر جدٌ قد مضى زمن المزاح

سقط القناعُ عن الوجوهِ وفعلهم بالسرّ باح

عاد اليهوديون ثانيةً وجالوا في البطاح

عادوا وما في الشرق نورُ الدين يحكمُ أو صلاح

عاثوا فساداً في الديار كأنّها كلأٌ مباح

لم يخجلوا من ذبح شيخٍ لو مشى في الريح طاح

أو صبيةٍ كالزهر لم ينبت لهم ريشُ الجناح

ذبحوا الصبيَ وأمَه وفتاتهَا ذاتَ الوشاح

عبثوا بأجسادِ الضحايا في انتشاءٍ وانشراح

لم يشف حقدهم دمٌ سفحوه في صلفٍ وقاح

فغدوا على الأعراضِ لم يخشوا قصاصاً أو جُناح

يا أمةَ الإسلام هبُّوا واعملوا فالوقت راح

الكفرُ جمّع شمله فلمَ النزاع والانتطاح؟ فتجمعوا وتجهزوا بالمستطاع وبالمتاح

يا ألف مليونٍ وأين هموا إذا دعت الجراح

هاتوا من المليار مليوناً صحاحاً من صحاح

من كلِّ ألفٍ واحداً أغزو بهم في كلِّ ساح

لا يُصنع الأبطالُ إلا في مساجدنا الفساح

في روضةِ القرآنِ في ظلِ الأحاديث الصحاح

لا يستوي في منطقِ الإيمان سكرانُ وصاح

من همهُ التقوى وآخرُ همهُ كرةٌ وساح

شعب بغير عقيدةٍ ورق تَذريه الرياح

من خان حي على الصلاة يخون حي على الكفاح

ولسنا نبالغُ ـ أيها الأخوة ـ إذا قلنا أن النفسيةَ اليهودية، نفسيةٌ خانعةٌ جبانة، لا تقوى على المواجهة، ولا تستطيعُ الثباتَ، وهاهو القرآنُ يشهدُ بذلك ويقررهُ: (( لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ) ) (الحشر:14) .

وما هزائمهم للعرب، إلا لأنَّهم وجدوا جنوداً لم يذوقوا طعمَ الإيمان، وحلاوةَ المناجاةِ للرحمن، وهم مع ذلك ذوو نفسياتٍ محطمة، ومعنوياتٍ متردية، إذاً فلا جدوى من السلام مع قتلةِ الأنبياء، ومحرفي الكتب، وناقضي العهود والمواثيق. (( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) ) (آل عمران:112) .

(( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) ) (المائدة:13) .

: (( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ) ) (المائدة: 80،79،78) .

فمهلاُ أيها اللاهثون خلف السلام، فلئن عاد حنينٌ بخفيه من اليمن، فلن تعودوا ولا بمثلِ خفيّ حنين.

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله يُعطي ويمنع، ويخفضُ ويرفع، ويضرُ وينفع، ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة، والنعمةِ المُسداة، وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين،

أمَّا بعدُ:

فقد دأب الإعلامُ العالمي الذي تُديرهُ الأصابعُ اليهوديةُ الخبيثة، على تهويل قوةِ إسرائيل، وتصويرِها بأنَّها القوةُ التي لا تُقهر، والجيشُ الذي لا يُغلب، وظلَّ الإعلامُ الصهيوني يحطِّمُ النفسية المسلمة، ويذكِّرُها بالهزائمِ المتلاحقة،وظلتَ إسرائيلُ تلوحُ بقنابلِها النووية، وقذائفها الصاروخية، وتستعرضُ بطائراتها ومدرعا تها، ونتجَ عن ذلك إحباطٌ عام، أصاب النفوسَ المريضة باليأسِ والقنوط، وتُوِّج ذلك كلُه بما يعرفُ بمؤتمرِ السلام الذي سقطَ فيه الخيارُ العسكري، ونحنُ واثقون أننا لن نَهزم إسرائيل، إذا أخلدنا إلى الأرض، ورضينا بالزرع، وتركنا الجهادَ في سبيلِ الله، ولن نَهزمَ إسرائيلَ بالشعاراتِ القومية، ولا بالعصبياتِ الجاهلية، ولا المهاتراتِ السياسية ولن تزيدَنا إلا خسارةً وخبالا.

كما أننا واثقون من أننا سنهزمُ إسرائيل، ومَن وراءَ إسرائيل، إذا راجعنَا ديننَا وأصلحنا واقعنَا ونفوسنَا، بما أصلحَ به الأولون واقعهمَ ونفوسهم، نحن قادرون على هزيمةِ إسرائيل، إذا كفرنا بكلِّ طاغوتٍ يُعبد من دون الله تعالى، وآمنا باللهِ وحده، ووأدنا كلَّ تشريعٍ وكلَّ دستورٍ، وكلَّ نظامٍ وكلَّ قانونٍ يعارضُ شرعَ الله ويصادمُه، نحنُ قادرون على هزيمةِ إسرائيل إذا حكَّمنا الشريعةَ الإسلاميةَ في كلِّ منحى من مناحي الحياة، وقبرنا الدساتيرَ والتشريعاتِ الأرضيةَ القاصرةَ الهزيلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت