فهرس الكتاب

الصفحة 7946 من 9994

معاشر المسلمين: وتأملوا في حادثة تغيير القبلة حينما هاجر النبيُ صلى الله عليه وسلم وصحبهُ من المدينة - وكان بها يهود - وتوجيه القرآن للمسلمين في قوله تعالى: (( وَلئِنْ أَتَيْتَ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلةَ بَعْضٍ وَلئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لمِنَ الظَّالِمِينَ ) )إلى قوله تعالى: (( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَليْكُمْ حُجَّةٌ...) (البقرة: 145-150) .

فلقد استمر النبيُ صلى الله عليه وسلم في الاتجاه بصلاته نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً )) [15]

ولاشك أن هذا التوجيه لقي رغبةً وترحيباً من اليهود إذ يوافقهم النبيُ صلى الله عليه وسلم في قبلتهم، وربما استغلوا ذلك وقالوا: (يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا) [16]

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتطلع إلى الوحي ويرغب التوجه إلى الكعبة عودة إلى قبلة إبراهيم عليه السلام، ورغبةً في تميز المسلمين بقبلتهم عن اليهود، فنَزل الوحيُّ مبيناً هذه الرغبة ومحقاً للحق ومستجيباً لنبيه ومميزاً للمسلمين عن غيرهم وكاشفاً لأهواء واعتراض السفهاء من الناس: (( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ليَعْلمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) ) (البقرة:144) .

قال غيرُ واحد من السلف في حكمة تغير القبلة: لئلا يحتج عليكم اليهودُ بالموافقةُ في القبلة فيقولوا: قد وافقونا في قبلتنا فيوشكُ أن يوافقونا في ديننا فقطع الله بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة، قال العلماء: (( وهذا المعنى ثابتٌ في كل مخالفة وموافقة فإن الكافر إذا أُتبع في شيء من أمره كان له من الحجة مثل ما كان - أو قريبٌ مما كان - لليهود من الحجة في القبلة ) ) [17] .

ولم يقف الأمر عند حدود النهي بل أشارت آياتُ القرآن وأحاديثُ المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى أن من اتبع الكافرين وقلدهم فهو منهم ومصيرُهم مصيرهم قال تعالى: (( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُول مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ) ) (النساء:115) .

(( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ) (المائدة:51) .

وقال عليه الصلاةُ والسلام: (( من تشبه بقوم فهو منهم ) ) [18] ،

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (( إسناده جيد، وأقلُّ أحواله أنه يقتضي تحريم التشبِّه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبِّه بهم كما في قوله تعالى: (( وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ) ).

إخوة الإيمان: إن من لوازم العقيدة الحقة الولاء والبراء، ويكون الولاءُ للمؤمنين والبراءُ من الكافرين، قال تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالذِينَ آمَنُوا ) ) (المائدة: من الآية55) .

ولا حجة لمن قال: إن الولاء في القلب ولا تضرُ المشابهة في الظاهر مع الكره لهم باطنا ً.

قال شيخ الإسلام في كتابه القيم: (( اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم،وهو كتاب قيمٌ نافعٌ في هذا الباب: والموالاةُ والمودة وإن كانت متعلقةً بالقلب، لكن المخالفة في الظاهر أعونُ على مقاطعة الكافرين ومبايينهم ) ). [19] .

إلى أن قال: ولهذا كان السلف رضي الله عنهم يستدلون بهذه الآيات على ترك الاستعانة بالكافرين في الولايات، فروى الإمامُ أحمدُ بإسناد صحيح عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قلت لعمر رضي الله عنه: إن لي كاتباً نصرانياً، قال مالك: قاتلك الله، أما سمعتَ الله يقول: (( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) ) (المائدة:51) .

ألا اتخذت حنيفاً ؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين: لي كتابتهُ وله دينهُ، قال ( عمر ) : لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزّهم إذا ذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله [20] ، وأشار المحقق إلى عدم وجوده له في المسند ( أبي موسى ) .

ويقول ابن القيم - رحمه الله -: (( إن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن التشبه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة، وسرُّ ذلك إن المشابهة في الهدْي الظاهر ذريعةٌ إلى الموافقة في القصد والعمل ) ) [21]

معاشر المسلمين: والنصوص في هذا كثيرة، وتعليلاتُ العلماء في النهي عن التشبه بالكافرين مقنعة ومبسوطةٌ ومن رام المزيد فليرجع إليها في مظانها، وإنما أردت الذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد .

ومع هذه الموجة العارمة في التشبه بالكافرين في عالمنا الإسلامي في معظم مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والعلمية والإعلامية وسلوكيات الناس وعوائدهم الاجتماعية إلا أن من الإنصاف أن نقول: إن هذه وتلك من ركام الماضي ومن مخلفات الاستعمار والمستعمرين، ولئن بقي في المسلمين من لا يزال سادراً في غيِّه مخدوعاً بمشابهة الكافرين وتقليدهم وموالاتهم، فثمة صحوةٌ إسلاميةٌ نشطةٌ تسري في أوساط المسلمين، وثمة وعي وشعور بالعزة الإيمانية لدى الشعوب المسلمة تنتظم الرجال والنساء، لقد بدأ الإسلام يستيقظ في النفوس وبات واضحاً تململ المسلمين من واقعهم المشين وكرههم لأعداء الدين ومعرفتهم بمخططات المستعمرين، ولم تقف حدودُ هذه الصحوة عند قطر دون آخر، ولم تكن في العرب دون العجم، ولا في الشرق دون الغرب، إنها شمسُ الحقيقة بدأ إشراقها وسيعم الخافقين بإذن الله نورُها.

ليس هذا كلاماً عاطفياً يقال، ولا مجرد أحلام لا يرى الناسُ لها مقاماً بل هي الحقيقة يشهد بها العدوُّ قبل الصديق، ويتآمر الكافرون ويخططون لاقتلاع الشجرة قبل أن توتي ثمارها... فتعقد المؤتمرات، وتفتح الملفات وتقترح الوسائل والخطط لمكافحة ما يسمى بالإرهاب والتطرف والأصولية، ونورُ الله قادمٌ لا محالة، والإسلام الحقُّ هو الديانة المؤهلة لقيادة العالم قيادةً عادلة، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ولو كره المشركون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت