فهرس الكتاب

الصفحة 7931 من 9994

طارد للشيطان جالب لملائكة الرحمن، هذا فضلا عما في الذكر من تكفير الخطايا والذنوب وقد صح في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (( من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ) ) ( [5] )

أما الصدقة فهي برهان على الرغبة في الخير، ولاسيما صدقة السر، التي قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأنها (( صدقة السر تطفئ غضب الرب ) ) ( [6] ) . والصدقة- بشكل عام- تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.. كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( [7] ) .

وإذا كانت الصدقة- الأخرى- مستحبة في كل زمان، فلها في شهر الصيام مزية على سائر العام، وقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، وقال الإمام الشافعي رحمه الله (( أحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم( [8] ) .

وهكذا يكون الذكر وتكون الصدقة من أسباب التوبة وتكفير السيئات، ولا تبقي الخطيئة في حس المسلم عقدة تقعد به عن المغفرة كحال أصحاب العقائد الفاسدة، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) ) ( الزمر: 53) .

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربو بيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله الأطهار وارض اللهم عن الصحابة الأخيار، وعن التابعين بإحسان ما تجدد الليل والنهار وتلاحقت المواسم والأعوام.

أيها الصائمون فمن دواعي التوبة في شهر رمضان كثرة تلاوة القرآن، من أسباب التوبة في رمضان لاشك أن تلاوة القرآن مستحبة في كل زمان، ولاشك أن للقرآن أثره على قارئه في كل حال، كيف لا وهو الكتاب العظيم المعجز الذي حكى الله أثره على صم الجبال لو أنزل عليها: (( لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) ) ( الحشر: 21)

وتبقى القلوب التي لا تلين أو تتأثر بالقرآن: (( كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) ) ( البقرة: 74) .

وللقرآن في رمضان مزية خاصة، ففيه أنزل، وبه كان جبريل عليه السلام يلقى النبي صلى الله عليه وسلم كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن ( [9] ) وبه تزدان المساجد في رمضان تلاوة وصلاة، وخشوعا، وبه يتهيأ لكثير من الناس القراءة أكثر من غيره، وإن كان حريا بالمسلم أن يداوم على قراءة القرآن في رمضان أو غير رمضان، لكن فضل الزمان يدعو إلى كثرة التلاوة والتدبر للقرآن، وفي رمضان يجتمع الصيام مع تلاوة القرآن فيكون أسمى للروح وأخف للجوارح لعدم امتلاء البطن في الطعام.

وقارئ القرآن بتدبر وتمعن لابد أن ينتهي إلى التوبة، ولابد أن يعود إلى ربه ويستغفره من ذنوبه لعدة دواع منها: أنه يقرأ ما أعده الله للمتقين من النعيم والحبور الدائم مما تطرب له النفوس وتتعلق به القلوب، ويزداد شوقه إذا قرأ أن في ذلك النعيم مالا يستوعبه الخيال أو تحيط به العيون والأسماع: (( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ) ( السجدة: 17) .

ولا يكاد ينتهي من الأنس والشوق حتى تمر به المشاهد المغيبة للكافرين والفجار مما لا تطيق بعض النفوس سماع وعده ووعيده فضلا على أن تصبر على شدة العذاب أو تطيق أن تكون من أهل النار والعياذ بالله وبين هذه المشاهد وتلك تأتي الدعوة الإلهية للتوبة فضلا من الله وإحسانا وإلا فربك الغني القهار، وجهنم لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم، وحين يقال لها: هل امتلأت؟ تجيب: (من مزيد ) ؟..

وقارئ القرآن يستشعر التوبة لأنه يقرأ أخبار وقصص التائبين وفي مقدمتهم آدم عليه السلام، فلم تقعد به الخطيئة عن التوبة والاستغفار، ولم يتجبر أو يتكبر كحال إبليس الذي كان مصيره إلى النار وبئس القرار، ويستشعر من هذا أن كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، فيتأمل في نفسه ويعقد العزم على التوبة، ويكون هذا الشهر بداية عتقه من النار، ويكون القرآن دليله إلى النجاة، وقاربه إلى بر الأمان .

بل إن قارئ القرآن يجول بطرفه ويسرح بفكره في أحوال الأمم الغابرة بين الطاعة والعصيان، وبين الرجوع إلى الله والجبروت والطغيان.. ويهديه القرآن إلى نهاية هؤلاء وأولئك، ويبصره كيف كانت العاقبة ولمن كانت النهاية في كل حال، فيدعوه ذلك إلى أن يكون من حزب الله المفلحين، وينأى بنفسه أن يكون ممن أخذهم الله بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون.

إخوة لإيمان:

وقارئ القرآن لا يخدعه عن التوبة طول الأمل أو نضرة الشباب، أو توفر النعم فيسوف في التوبة حتى تقترب النهاية وتكون المفاجأة: (( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ ) ) ( النساء: 18) .

ويهدي القرآن أصحابه كيف يتوبون وكيف يستغفرون: (( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ *أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) ) ( آل عمران: 135- 136) .

أيها المسلمون:

توبوا إلى ربكم واستغفروه، واستفيدوا من تلاوة القرآن وشهر الصيام، ولا تتعاظموا على الله ذنبا، فقد أذن لأهل الكفر بالمغفرة إن هم تابوا وانتهوا: (( قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ ) ) ( الأنفال: 38) .

ودعا أهل التثليث وقتلة الأنبياء- عليهم السلام- إلى التوبة فقال: (( أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ) ( المائدة: 74)

وفي الحديث جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أحدنا يذنب، قال (( يكتب عليه ) )، قال: ثم يستغفر منه، قال: (( يغفر له وتاب عليه ) )قال: فيعود فيذنب، قال: (( يكتب عليه ) )قال: ثم يستغفر منه ويتوب قال: (( يغفر له ويتاب عليه ولا يمل الله حتى تملوا ) ) ( [10] ) .

وقيل للحسن يرحمه الله: ألا يستحي أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه، ثم يعود ثم يستغفر ثم يعود فقال: ود الشيطان لو ظفر منكم بهذا فلا تملوا من الاستغفار ( [11] ) .

ومع التوبة والاستغفار تجنبوا الموبقات، وأكثروا من الطاعات، عسى ربكم أن يرحمكم ويغفر لكم- إن في ذلك لذكرى لمن عقل شهر الصيام، وأدرك ما فيه والقرآن من أسرار ودعوة إلى الخير والإيمان، ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت