والقرآن مليء بهذا المعنى الذي دلَّ عليه الحديث ، ففي سياق الآيات التي تخبر عن أحوال أهل الجنة نجد أنهم فرحون برحمة الله تعالى لهم ، ومغتبطون بما نالوه من الثواب العظيم على أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا ، وقد نسوا ما أصابهم في الدنيا من أكدارها وآلامها ومصائبها ؛ ولذلك يحمدون الله تعالى على هدايته لهم إلى الإيمان والعمل الصالح الذي كان سببا في دخولهم الجنة { وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } الأعراف43وفي آية أخرى بعد أن ذكر الله سبحانه حمدهم له تعالى أثنى على عملهم الذي استحقوا به هذا الأجر الكبير {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } الزمر74 وقد جاء النص على أن هذا الجزاء العظيم لهم إنما كان على عملهم الصالح في الدنيا {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً } الإنسان22 وفي آية أخرى {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ } الحاقة24 وفي مقابل ذلك يخبر القرآن عن ندم أهل النار يوم القيامة حين يرون أنواع العذاب والنكال ، وأنهم يتمنون الرجوع للدنيا للعمل الصالح ولكن هيهات قد حيل بينهم وبين ذلك ، وما هي إلا فرصة واحدة لا تتكرر ، فما أشد بؤسهم حين يقولون {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } المؤمنون107 وما أعظم خسارتهم حين يبعثون من قبورهم للحساب {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ } الأنعام31 ويقول قائلهم عند الموت {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ } {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } المؤمنون99-100 ولكن لا يجابون إلى ذلك ، قال قتادة رحمه الله تعالى: ( والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة ، ولا بأن يجمع الدنيا ، ويقضي الشهوات ، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله عز وجل ، فرحم الله امرءاً عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى العذاب ) وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ الشورى44 ولو أن الله تعالى أجابهم إلى ما أرادوا من إعادتهم إلى الدنيا ليعملوا صالحا لعادوا إلى أعمالهم السيئة ؛ إذ لو كانوا صادقين في دعواهم لأخذوا العبرة مما حلَّ بالمكذبين قبلهم ، ولم يسيروا سيرتهم ، وهم يعلمون عاقبتهم {وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } الأنعام27 يقفون أمام ربهم وهم في غاية الذل والانكسار ، والخزيِّ والعار مما صنعوا واكتسبوا في الدنيا {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ } السجدة12 فلا رجوع حينئذ ، إنما حساب وعذاب، فخذوا - رحمكم الله تعالى - من حالهم أبلغ العبرة، وأحسن الموعظة ؛ فقد قرأتم كتاب الله تعالى في الأيام الخوالي، واستمعتم إلى آياته في تلك الليالي ، وعلمتم كثيراً من أوصافهم وأحوالهم ، فحذار حذار أن تسلكوا مسلكهم ؛ فإن دنياهم زالت عنهم ، وبقي عذابهم بأعمالهم ، وما أغنت عنهم أموالهم ولا أولادهم ولا نعيمهم في الدنيا من عذاب الله تعالى شيئاً. فمن أحسن فيما مضى من رمضان فليحمد الله تعالى ، وليختم شهره بكثرة الاستغفار ، وليثبت عقب رمضان على العمل الصالح ، وليعلم أن انتهاء العمر سيكون كانتهاء رمضان ، يمر سريعاً ولا يبقى له إلا ما عمل فيه.
ومن أساء في رمضان ، وفاته الخير والإحسان ، فليبادر بتوبة صادقة يختم بها شهره ، وليستغفر لما مضى من ذنبه ، وليأخذ من سرعة دخول الشهر وخروجه عبرة بسرعة زوال الدنيا ، وقرب رحيله هو عنها ، وله عوض فيما بقي من عمره عما فاته من تحصيل الخير ، وليحذر من تضييع عمره كما ضيع رمضان ، فتكون عاقبته الندم والخسران.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } الحشر19-18 بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، ولا أمن إلا للمؤمنين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي الأمين ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ، واعبدوه في رمضان وفي غير رمضان ، وإياكم وهجران المساجد والمصاحف بعد الصيام والقيام ؛ فبئس القوم قوم لا يعرفون الله تعالى إلا في رمضان.
أيها المسلمون:
شرع الله تعالى لكم في ختام شهركم أعمالا صالحة تزكي نفوسكم ، وتتمم طاعتكم ، وتجبر نقص صيامكم ، ومن ذلكم: زكاة الفطر التي فرضها الله تعالى طهرة للصائمين ، وطعمة للمساكين ، وأوجبها على الواجدين من المسلمين ، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات كما ثبت ذلك عن نبيكم صلى الله عليه وسلم.
يخرجها الرجل عن نفسه وعمن تلزمه نفقته من زوج وولد ونحوهم ، والأفضل للمكتسب الواجد أن يخرجها عن نفسه ، وتخرج من الأصناف المنصوص عليها في الأحاديث النبوية ؛ كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من أقط أو صاعا من زبيب ) متفق عليه.
والأفضل أن يخرجها المسلم بين صلاة الفجر وصلاة العيد يوم العيد ، وله أن يقدم إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين كما جاء ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم.
كما شرع الله تعالى لكم في ختام شهركم تكبيره عز وجل على ما هداكم للإيمان ، وشكره على ما وفقكم للصيام (( وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ) [ البقرة 185] ويبدأ التكبير من غروب شمس آخر يوم من رمضان إلى صلاة العيد.
واحذروا منكرات العيد من المعازف والغناء ، والإسراف في اللباس والطعام ، وتضييع الصلوات ، وغير ذلك من الآثام ، وأتبعوا رمضان بصيام ست من شوال ؛ فإن من صامها مع رمضان كان كمن صام الدهر كله كما جاء في الحديث.