إن أعظم نعمة أسبغها الله على عباده هي نعمة مبعث النبي صلى الله عليه وسلم حيث أشرقت شمس الإسلام على أمة راتعة في ظلمة الجهل غائبة في مجاهل التاريخ مثقلة بأوضاع الظلم والفرقة وفساد الأخلاق فلما أراد الله لعباده الحياة بعد الموت والعز بعد الذل والقوة بعد الضعف أرسل لهم هذا الرسول الرحمة صلى الله عليه وسلم وأنزل معه هذا الكتاب المبين {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } كتاب من عند الله هو أساس الدين ومصدره التشريع ، رحمة الله على العالمين ، حوى أصول الشريعة وقاعدها في عقائدها وأخلاقها وحلالها وحرامها يضيء للأمة مسالك الاستنباط في أحكام المستجدات والمتغيرات في كل زمان ومكان ، به يعرف الحق من الباطل والصادق من الكاذب ، يفضح الله به كيد الكائدين ويبطل به مكر الخائنين هو الميزان الذي توزن به العقائد والمذاهب والمواقف والأشخاص يقول الشاطبي: (( الكتاب كل الشريعة وعمدة الملة وينبوع الحكمة ، وآية الرسالة ونور البصائر والأبصار لا طريق إلى الله سواه ولا نجاة إلا لمن استضاء بهداه ) )نزل هذا الكتاب حين نزل على قلوب ميتة فأحياها الله به ، متفرقة فجمعها الله به ، مختلفة فاتفقت عليه فتكونت به عصبة المؤمنين الأولى ، وجيله الفذ ، ورعيله الشريف صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم الذين كانوا خير جيل عرفه التاريخ بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ، يرجع الفضل إليهم فيما ننعم به من الإسلام ، فبكريم دمائهم بلغ الإسلام ما بلغ ، وبحر أموالهم سارت دعوة الإيمان وأنقذ الله بهم أمماً من النيران ، وبجهادهم وتحت سيوفهم تهاوت ممالك الفرس ودانت بلاد الروم ، ورأى فيهم أعداء الدين جائحة تأتي على أملاكهم ودولهم وعروشهم ، فأرادوا بهم كيداً ، وحاكوا لهم مكراً ، كانت بادرتها من المجوس عبدة النار ، الذين تجرعوا المهانة في القادسية ، وشربوا الذل وهم يرون رايات جيوش الإسلام التي كان يُزجي كتائبها عمر بن الخطاب تجوس خلال مدائنهم ، لا يثبت فيهم جيش ولا قائد ولا حصن ، فعدلوا عن المواجهة المكشوفة إلى الكيد الذليل الخسيس ، فدسوا في صفوف المسلمين رجلاً يقال له أبو لؤلؤة المجوسي الفارسي ، كان غلاماً من سبي فارس لدى المغيرة بن شعبة تسلل هذا الماكر الخبيث إلى المجتمع المسلم ، وأظهر الإسلام حتى غدر بفاروق الإسلام وثاني خلفائه عمر بن الخطاب ، إذ طعنه وهو يصلي لينال بذلك المجوس شيئاً من ثأرهم ، ولا زال المجوس فرحين بغدرته إلى يومنا هذا ، فله في إيران ضريح وهمي جعله الروافض أدعياء الإسلام هناك مزاراً يزورونه ويترضون عنه وقد كتبوا على جدرانه بالفارسية الموت لأبي بكر والموت لعمر والموت لعثمان . أما اليهود فقد دسوا عبد الله بن سبأ ( ابن السوداء ) يهودي من اليمن أظهر الإسلام أيام عثمان وراح يطوف بلاد الإسلام يؤلبها على الخروج عليه رضي الله عنه وأرضاه ولا زال يجوس في الأمصار ينفث الفتنة يفرق بين الصحابة ويذم عثمان ويلمز الصديق والفاروق حتى كان له أنصار ، هم الذين قتلوا عثمان رضي الله تعالى عنه عام خمسةٍ وثلاثين من الهجرة ، ولم يكتف ابن السوداء بذلك بل نفخ في نار الفتنة بين علي ومعاوية ، وأظهر انحيازه لعلي رضي الله تعالى عنه ، وقال فيه وفي الإسلام قولاً عظيماً فزعم أن علياً إله ، ونقل من يهوديته أكاذيب وروايات عظيمة هي مكونات ملة الروافض اليوم فهو أول من تكلم في الوصية والرجعة والولاية والإمامة والبداء ... وكانت الفتنة التي أوقدها المجوس وهذا اليهودي ذات رأسين: الأول حب مزعوم ، ونصرة كاذبة لعلي وآل البيت ، والثاني كره ومقت وعداء صراح لكل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عدا أحد عشر صحابي على أكثر تقدير وعند أكثرهم سماحة وليس فيهم سمح ولا منصف . نعم رأى المجوس في هذه الفتنة منفذاً يثأرون فيهم لملكهم الزائل ، ومدائنهم السليبة ، وإعاقة حركة الإسلام ، وإذا لم يمكنهم الطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم طعنوا فيمن حملوا الدين معه وبعده ، وخونوهم وكفروهم ، ليفصلوا أول الأمة عن آخرها ، فلم يقبل المسلمون أن يأخذوا دينهم من كفار وكذبة وخونة ، قال الإمام مالك: (( إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وسلم فلم يمكنهم ذلك فقدحوا في الصحابة حتى يقال رجل سوء لو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحبن ) ). فتباً للأفاكين .. من يسبون ؟! ومن ينتقصون ؟! ومن يتهمون ؟! أيسبون من مدحهم خالقهم ، والعليم بسرهم ونجواهم ، أيتهمون من عدلهم ربهم ؟! أينتقصون من سجل فيهم القرآن غرر المدائح وأجمل الثناء {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ } ويقول فيهم ربهم: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ } ويقول سبحانه: { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } وشهد لهم بالهداية والبصيرة: { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ } أيذمون من صلى عليهم ربهم وأسبغ عليهم رحمته: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } أيلمزون الذين أنزل الله في قلوبهم السكينة: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ } ويحهم ألم يسمعوا قول الله فيهم: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } فلله ما أعظمهم من جيل وما أشرفهم ، سمحت نفوسهم رضي الله تعالى عنهم بالنفس والمال والولد والأهل والدار ، ففارقوا الأوطان وهاجروا الإخوان ، وقتلوا في سبيل الله الآباء والإخوان ، وبذلوا النفس صابرين ، وأنفقوا الأموال محتسبين ، وناصبوا من ناوأهم متوكلين ، فآثروا رضى الله على الغناء ، والذل على العز ، والغربة على الوطن ، هم المهاجرون الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون . ثم إخوانهم من الأنصار ، أهل المواساة والإيثار ، أعز قبائل العرب جاراً ، واتخذ الرسول عليه السلام دارهم أمناً وقراراً ، الأَعِفّاء الصُّبر ، والأصدقاء الزُهَّد: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} أما من أتى بعدهم فهو إما محب لهم معترف