الحمد لله العليم الحكيم؛ خلق الخلق ودبرهم، وكلف الجن والإنس وابتلاهم، نحمده على ما هدانا، ونشكره على ما أعطانا، ونستغفره لخطايانا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ أنزل القرآن هدى ورحمة للعالمين، وقص علينا فيه آخبار الغابرين، عبرة للمعتبرين، وموعظة للمتقين {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ أعلى الله تعالى ذكره في العالمين، وجعله حجة على الخلق أجمعين، وكتب بقاء دعوته إلى يوم الدين، فلا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تعالى وهم على ذلك، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه؛ لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق {رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله وأطيعوه، وأخلصوا له دينكم، وأحسنوا عملكم؛ فلا حاجة لله تعالى عندكم، إنما خلقكم ليبتليكم {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}
أيها الناس:
دين الله تعالى واحد، وهو الحق والنور والهدى، والصراط المستقيم الذي يوصل إلى رضوانه والجنة، وأديان الشيطان كثيرة، وهي الباطل والضلال والظلمات، وهي ما عدا الحق الذي فرضه الله تعالى على عباده، وبلغته رسله عليهم السلام؛ ولذا جاء صراط الله تعالى في القرآن مفردا، كما جاء النور مفردا، وجاءت الظلمات بصيغة الجمع كما جمعت سبل الباطل { الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} وقال ابن مسعود رضي الله عنه:(خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده ثم قال: هذا سبيل الله مستقيما، قال:ثم خط عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه ثم قرأ {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } رواه النسائي وأحمد وصححه الحاكم.
وهكذا طوال تاريخ البشرية كانت الرسل عليهم السلام يهدون الناس إلى سبيل الله تعالى الذي ارتضاه لهم، وكانت الشياطين تحرفهم عن ذلك السبيل إلى سبل أخرى تكون سببا في ضلالهم وانحرافهم، ولا تكاد تحصى الديانات والأفكار الباطلة التي دان - ولا يزال يدين - بها أكثر البشر ، ولما بعث الله تعالى موسى عليه السلام دانت بنو إسرائيل بدين الحق، ثم غيروا الدين بعده، وحرفوا التوراة، ثم بعث الله تعالى عيسى عليه السلام مصدقا لدين موسى عليه السلام، ومبشرا ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، فدان الحواريون وأتباعهم بدين الحق، حتى أدخل شاؤول اليهودي الشرك في عقيدة النصارى، ونقلهم من التوحيد والهدى، إلى التثليث والضلال، فبعث الله تعالى محمدا عليه الصلاة والسلام مصدقا لرسالات من قبله من الرسل عليهم السلام، وخاتما للنبوة فلا نبي بعده، وقضى الله تعالى أن يبقى دينه إلى آخر الزمان، وأما أمته فمنهم من يهدى لدينه الذي ارتضاه الله تعالى، ومنهم من يضل إلى أديان أخرى.
ومن دان بدينه عليه الصلاة والسلام وهو دين الإسلام منهم من ثبت على الدين الحق، ملتزما بالكتاب والسنة، مهتديا بهدي السلف الصالح من الصحابة وأتباعهم، ومنهم من انحرف إلى بدعة مكفرة أو مفسقة، فأحدث في الإسلام ما ليس منه، وهؤلاء يسمون أهل القبلة.
إن الله سبحانه لما أهبط الأبوين عليهما السلام من الجنة، وكلفهما وذريتهما بالدين أقسم إبليس بعزة الله تعالى ليصرفن ذرية آدم عن دينه الذي ارتضاه الله تعالى، ولما كان محمد عليه الصلاة والسلام خاتم الرسل قضى الله عز وجل ببقاء دينه إلى آخر الزمان، وسلامته من التحريف والتبديل { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } وأما أفراد الأمة فليسوا معصومين من الحيدة عن دين محمد صلى الله عليه وسلم، أو إدخال شيء فيه ليس منه، أو إخراج ما هو منه، فيَضِلُ بسبب ذلك من يَضِل، ويبقى على الدين الحق من عصمه الله تعالى من الضلال، وهكذا الحال إلى آخر الزمان.
ومحاولات تحريف الإسلام، وإدخال عقائد وأفكار فيه ليست منه بدأت مبكرة في آخر الخلافة الراشدة، وأراد عبد الله بن سبأ اليهودي المنافق أن يقوم في الإسلام بذات الدور الذي قام به سلفه شاؤول في النصرانية، فأحدث ابن سبأ وأتباعه الخروج على عثمان رضي الله عنه، واستتبعوا ذلك بالغلو في آل البيت، وزعموا التشيع لهم، فأظهروا محبتهم، ثم غالوا في علي رضي الله عنه ، وادعوا العصمة له، ثم النبوة، حتى وصل بهم غلوهم إلى خلع صفات الربوبية عليه وعلى زوجه وولده رضي الله عنهم، مع طعنهم في بقية الصحابة رضي الله عنهم إلا عددا قليلا منهم، وسبهم للخلفاء الثلاثة الذين رضي الله عنهم، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم.
ثم لما بذر هؤلاء المنافقون بذرة الخلاف بين المسلمين، وسقوها بالأكاذيب والشائعات، وغذوها بالضغائن والأحقاد، وأوقعوا الخصومة بينهم كانوا هم أول من تخلى عن علي وابنيه الحسن والحسين رضي الله عنهم، وخانوهم أعظم خيانة، حتى قتل الحسين رضي الله عنه ظلما وعدوانا بسبب خيانة من زعموا التشيع له، وجعل أولئك الخونة وأتباعهم يوم مقتله يوم مناحة ولطم وبكاء، وإحياء للضغائن، وسب لأولياء الله تعالى من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.ثم انشطروا إلى مذاهب عدة، وفرق كثيرة، يلعن بعضها بعضا، وتزعم كل فرقة منها أن الحق معها دون غيرها. جمعتهم بدعة الغلو في آل البيت، ثم فرقتهم تلك البدعة، ومنهم من أخرجتهم بدعتهم من الإسلام إلى الكفر، ومنهم دون ذلك، ويكون قربهم من الإسلام وبعدهم عنه بحسب ما تلبسوا به من البدعة.
ومن أكبر فرقهم الإسماعيلية والأمامية الإثني عشرية، وحكومة بني عبيد الباطنية التي قامت في الشام ومصر في القرن الرابع كانت من الإسماعيلية، وبعد سقوطها على يد صلاح الدين رحمه الله تعالى لم يقم لأتباع المذهب الباطني دولة إلا ما كان للبويهين ودولتهم زيدية. ثم الدولة الصفوية الإثني عشرية في القرن العاشر؛ وهي أول دولة شيعية إمامية، شيعت إيران بالقوة فنقلت نسبتهم من (10%) إلى (65%) .
وقد سعى ابن العلقمي الرافضي في القرن السابع أن يبني لهم دولة في بغداد على أنقاض الدولة العباسية بعد خيانته لها، ولم يتم له ذلك فمات كمدا بحمد الله تعالى، وتعاقبت الدول المغولية وغيرها على بلاد العراق وفارس، وكانت دولا سنية، آخرها دولة للتركمان، زالت في أوائل القرن العاشر على يد إسماعيل بن حيدر الصفوي، نسبة إلى جده صفي الدين الأردبيلي الذي كان واعظا صوفيا، عاش في القرن السابع ، وما زال أبناؤه وأحفاده يميلون للتشيع حتى اعتنقوا المذهب الإمامي الإثني عشري.