أَيُّهَا المُسلِمُونَ: مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الحَجَّ رُكنٌ مِن أَركَانِ الإِسلامِ وَمَبَانِيهِ العِظَامِ ، دَلَّ على وُجُوبِهِ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجمَاعُ ، فَمَن جَحَدَهُ أَو أَبغَضَهُ بَعدَ البَيَانِ كَفَرَ ، يُستَتَابُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ تَابَ وَإِلاَّ قُتِلَ ، وَمَن تهاوَنَ بِهِ فَهُوَ عَلَى خَطرٍ عَظِيمٍ ، قال ـ سُبَحانَهُ ـ: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } آل عمران97 وقال ـ عليه الصلاةُ والسلامُ (( بُنيَ الإِسلامُ على خمسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ محمدًا رَسُولُ اللهِ ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَحَجِّ البَيتِ ، وَصَومِ رَمَضَانِ ) )وَعَن أبي هريرةَ ـ رضي اللهُ عنه ـ قال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ فقال: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللهَ قَد فََرَضَ عَلَيكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا ) )فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ فَسَكَتَ حتى قالها ثَلاثًا . فقال رَسُولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ: (( لَو قُلتُ نَعَم لَوَجَبَتْ وَلَمَا استَطَعتُم ) )ثم قال: (( ذَرُوني مَا تَرَكتُكُم ) )وَقَدِ اختَلَفَ العُلَمَاءُ في وُجُوبِ الحَجِّ ، هَل هُوَ على الفَورِ أَم عَلَى التَّرَاخِي ، وَالصَّحِيحُ الأَرجَحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الفَورِ مَعَ الاستِطَاعَةِ ، فمتى استَطَاعَ المُسلِمُ الحَجَّ وَتَوَفَّرَت فِيهِ شُرُوطُ وُجُوبِهِ ، وَجَبَ أَن يُعجِّلَ بِأَدَاءِ فَرِيضَةِ اللهِ فِيهِ ، وَلم يَجُزْ لَهُ تَأخِيرُهُ وَلا التَّهَاوُنُ بِهِ ، قَال ابنُ قُدَامَةَ ـ رحمه اللهُ ـ في المُغني: مَن وَجَبَ عَلَيهِ الحَجُّ وَأَمكَنَهُ فِعلُهُ , وَجَبَ عَلَيهِ على الفَورِ ولم يَجُزْ لَهُ تَأخيرُهُ ، وَبِهَذَا قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ ... وقال الشيخُ ابنُ بَازٍ ـ رحمه اللهُ ـ: مَن قَدَرَ عَلى الحَجِّ ولم يَحُجَّ الفَرِيضَةَ وَأَخَّرَهُ لِغَيرِ عُذرٍ ، فَقَد أَتَى مُنكَرًا عَظِيمًا وَمَعصِيَةً كَبِيرَةً ، فَالوَاجِبُ عَلَيهِ التَّوبَةُ إِلى اللهِ مِن ذَلِكَ وَالبِدارُ بِالحَجِّ ... وَسُئِلَ الشيخُ ابنُ عُثِيمِينَ ـ رحمه اللهُ تعالى ـ: هَل وُجُوبُ الحَجِّ عَلَى الفَورِ أَم عَلَى التَّرَاخِي ؟ فَأَجَابَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الفَورِ ، وَأَنَّهُ لا يجُوزُ لِلإِنسانِ الذي استَطَاعَ أَن يحُجَّ بَيتَ اللهِ الحَرَامَ أَن يُؤَخِّرَهُ ، وَهَكَذَا جمِيعُ الوَاجِبَاتِ الشَّرعِيَّةِ ، إِذَا لم تُقَيَّدْ بِزَمَنٍ أَو سَبَبٍ ، فَإِنها وَاجِبَةٌ عَلَى الفَورِ .
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّهُ يجِبُ عَلَى المُسلِم المُبَادَرَةُ إِلى تَأدِيَةِ فَرِيضَةِ الحَجِّ مَتى كَان مُستَطِيعًا ؛ لأَنَّهُ لا يَدرِي مَاذَا يحدُثُ لَهُ لَو أَخَّرَهُ ، قَال ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ: (( تَعَجَّلُوا إِلى الحَجِّ - يَعني الفَرِيضَةَ - فَإِنَّ أَحَدَكُم لا يَدرِي مَا يَعرِضُ لَهُ ) )وَقَالَ ـ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: (( مَن أَرَادَ الحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ فَإِنَّهُ قَد يَمرَضُ المَرِيضُ وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ وَتَعرِضُ الحَاجَةُ ) )وَإِنَّ المُتَأَمِّلَ في الوَاقِعِ اليَومَ ، لَيَجِدُ مِنَ النَّاسِ مُوَاطِنِينَ وَمُقِيمِينَ مَن بَلَغَ مِنَ العُمُرِ سِنِينَ مُتَطَاوِلَةً وَلم يحُجَّ ، فَمِنهُم مَن جَاوَزَ الأَربعِينَ وَقَارَبَ الخَمسِينَ ، وَمِنهُم مَن تَعَدَّى الثَّلاثِينَ ، أَمَّا أَبنَاءُ العِشرِينَ ممَّن لم يحُجُّوا فَكُثُرٌ ، وَمِنَ النَّاسِ مَن وَجَبَ الحَجُّ عَلَى أَبنَائِهِ وَبَنَاتِهِ فَضلاً عَن وُجُوبِهِ عَلَيهِ ، وَمَعَ ذَلِكَ تَرَاهُم يُؤَخِّرُونَ الحَجَّ سَنَةً بَعدَ سَنَةٍ ، وَيُؤَجِّلُونَ هَذَا الرُّكنَ عَامًا بَعدَ آخَرَ ، غَيرَ مُلتَفِتِينَ إِلى أَنَّهم أَتَوا مُنكَرًا مِنَ الفِعلِ عَظِيمًا ، وَارتَكَبُوا في حَقِّ أَنفُسِهِم مُخَاطَرَةً كَبِيرَةً ، إِذْ لا يَأمَنُ أَحَدُهُم مَوتًا مُجهِزًا يَأخُذُهُ عَلى غِرَّةٍ ، أَو مَرَضًا مُقعِدًا يَهجُمُ عَلَيهِ عَلَى غَفلَةٍ ، أَو فَقرًا يَعتَرِيهِ بَعدَ غِنًى وَقِلةَ ذَاتِ يَدٍ بَعدَ كَثرَةٍ ، أَو غَيرَهَا ممَّا يَعرِضُ لِلإِنسَانِ فَيُعجِزُهُ بَعدَ قُدرَةٍ وَيُضعِفُهُ بَعدَ قُوَّةٍ ، وَيُؤسِفُكَ أَنْ تجِدَ هَؤُلاءِ المُؤَخِّرِينَ لِفَرِيضَةِ اللهِ ، قَد جَابُوا الدِّيَارَ شَرقًا وَغَربًا ، وَسَافَرُوا في البلادِ جَنُوبًا وَشمالاً ، وَبَذَلُوا الأَوقَاتَ وَأَنفَقُوا الأَموَالَ في تَمَشٍّ وَتَنَزُّهٍ وَسِيَاحَةٍ ، وَقَد يَكُونُونَ اكتَسَبُوا مِن وَرَاءِ سَفَرِهِم ذُنُوبًا وَتحمَّلُوا آثَامًا ، وَمَعَ ذَلِكَ لم يُفِكِّرُوا في أَعظَمِ سِيَاحَةٍ وَأَجَلِّ سَفَرٍ ، وَلم يَشُدُّوا الرِّحَالَ لأَشرَفِ البِقَاعِ وَأَعظَمِ الأَمَاكِنِ ، وَالتي يَجنُونَ مِنَ السَّفَرِ إِلَيهَا رِضَا رَبِّهِم وَمَغفِرَةَ ذُنُوبِهِم ، وَيَفُوزُونَ بِعِتقِ رِقَابِهِم وَتَكفِيرِ سَيِّئَاتِهِم وَحَط خَطَايَاهُم ،