فإن الكتاب والسنة مليئان بالرقى المباحة التي أباحها الشرع والتي كان النبي صلى الله عليه وسلم يرقي بها نفسه وذريته ويرقيه بها جبريل عليه السلام وذلك إما من العين أو الحُمة وهي لدغ ذوات السموم كالحية والعقرب ونحوها أو من السحر ونحوه وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العين حق ولو كان شيء سابقُ القدر سبقت العين وإذا استغسلتم فاغسلوا) وفي صحيح مسلم أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (لا رقية إلا من عين أو حُمية) وفي الحديث الصحيح الذي رواه النسائي وغيرة عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: (رأى عامر بن ربيعة سهل بن حنيف يغتسل فقال: والله ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة -يعني الجارية المخبأة في خدرها قال: فلبَّطَ سهل- يعني أصابته رجفه من المرض- فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له يا رسول الله هل لك في سهل بن حنيف؟ والله ما يرفع رأسه فقال:(هل تتهمون له أحداً؟ فقالوا: نتهم عامر بن ربيعة قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عامراً فتغلَّظ عليه- أي كلمه بكلام شديد- وقال:(علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا برّكت - يعني هلا دعوت له بالبركة؟ اغتسل له"فغسل له عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إناء في قدح ثم صبَّ عليه فراح مع الناس"ليس به بأس وفي صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتوا على حي من أحياء العرب فلم يقروهم - يعني لم يضيفوهم - فبينما هم كذلك إذا لدغ سيد أولئك فقالوا"هل معكم من دواء أو راقِ؟ فقالوا:إنكم لم تقرونا ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلاَ فجعلوا لهم قطيعاَ من الشاء فجعل يقرأ بأم القرآن - يعني الفاتحة- ويجمع بزاقة ويتفل فبرأ فأتوا بالشاء فقالوا لا نأخذ حتى نسأل النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه فضحك وقال"(وما أدراك أنها رقية خذوها وأضربوا لي بهم) وذكر البخاري رحمه الله حديث أنس بن مالك رضي الله عنه إذ قال لثابت"ألا أرقيك برقية رسول الله عليه وسلم؟ قال:بلى قال:"اللهم رب الناس مذهب الباس اشف أنت الشافي لا شافي إلا انت شفاء لا يغادر سقماً"وثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: سُحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنه ليخيَّل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله - وفي روايه"حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن - قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذاكان كذا - حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله عز وجل ودعاه ثم قال: أشعرت يا عائشة؟ إن الله قد أفتاني فيما استفتية فيه"قلت"وماذاك يا رسول الله؟ قال:( جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي ثم قال أحدهما لصاحبه: ماوجع الرجل؟ قال: مطبوب - يعني مسحوراً - قال: ومن طبَّة قال: لبيد بن الأعصم اليهودي من بني زريق قال: فبماذا؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر - يعني أسنان مشط وما سقط من الشعر وضعت في الوعاء الذي يكون فيه الطلع وهو اللقاح في الفحال قال: فأين؟ قال: في بئر ذي أروان قال: فذهب النبي صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه إلى البئر فنظر إليها وعليها نخل ثم رجع إلى عائشة فقال: والله لكأن ماءها نُقاعةُ الحناء ولكأن نخلها رؤوس الشياطين"قلت"يا رسول الله أفأخرجته؟ قال:لا أما أنا فقد عافاني الله عز وجل وشفاني وخشيت أن أثور على الناس منه شراً"وأمر بها- يعني البئر- فدفنت وذلك أن الله سبحانه أنزل على رسوله المعوذتين وكان يرقي نفسه بهما وكان جبريل عليه السلام يأتيه كما في صحيح مسلم ويقول:"يا محمد اشتكيت؟ قال: نعم قال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن كل نفس أو عين حاسد الله وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينف على نفسه في المرض الذي مات فيه المعوذات فلما تفل كنت أنفث عليه بهن وأمسح بين نفسه لبركتها فالحاصل أيها الأخوة أن الرقى الشرعية كثيرة ومن تتبعها وجدها وفيها ولله الحمد غنية عما سواها غير أن الشيطان الذي أجلب على الناس برجله وجنودة زين للنفوس ما يميله أولياءة من أصحاب النفوس والعقول الشيطانية الذين سيأتي بيانهم بإذن الله.
الخطبة الثانية
إن الحمد لله.. أما بعد أيها الناس:
فقد ذكرنا فيما مضى أن الله سبحانه قد يبتلي العبد بشيء من الأمراض إما لإظهاره على حقيقتة من حيث صدق الإيمان من عدمه أو للتخفيف عليه من الذنوب في الآخرة ذلك أن البلاء لا يزال بالمؤمن حتى يلقى الله عز وجل وما عليه خطيئة فالمفروض بالعبد أن يرضى ويسلم لقضاء الله عز وجل وقدره ويصبر على ما أصابه وذكرنا بأن بعض الناس ما إن يصيبه شيء من الأمراض التي يعجز الأطباء عن علاجها إلا ويبادر بإلقاء نفسه بين يدي من يدعي الطب العربي وهو لا يدري أطبيب هو حقيقة أم كاهن بل لا يستطيع التفريق بين الطبيب والكاهن.
أيها الأخوة.. إن الذي يأتي للكاهن والعراف وغيره ممن يدعي علم الغيب أحد أمرين
-إما أن يأتي فيسأله ويصدقه بما يقول.
-أن يسأله مطلقاً ولا يشترط التصديق.
فالأول حكمه ما ورد في الحديث الصحيح الذي ذكرناه سابقاً من قوله صلى الله عليه وسلم: (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقة بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) صلى الله عليه وسلم هذا حكم من سأل فصدق وأما حكم من سأل مطلقاً فحكمة ماورد في الحديث الذي رواه مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) والمرض مهما كان نوعه عاده يعالج بأمور..
1-إما بالطب المباح الذي يدافع المرض بالأدوية والحمية ونحوها فهذا لا شيء فيه.
2-أو الرقية فهذا فيه تفصيل.
3-أو بطريق التكهن فهذا محرم.
أما الطب الذي يعطي الأدوي فهذا كل منا يعرفه فمتى قدمت على الطبيب سواء كان طباً عربياً أو حديثاً ووصفت المرض وشخّص الطبيب المرض وأعطاك أدويه أو حماك عن بعض الأشياء فهذا هو الطب المباح أما الذي يعالج المرض عن طريق الرقية فالرقية لا تجوز إلا باجتماع ثلاثة شروط إذا اجتمعت فيها كانت رقية شرعية وإذا اختل منها شيء كانت بضد ذلك.
الأول: أن تكون من الكتاب والسنة فلا تجوز من غيرهما.
الثاني: أن تكون باللغة العربية محفوظة ألفاظها مفهومه معانيها فلا يجوز تغييرها إلى لسان آخر.
الثالث: أن يعتقد المريض أنها سبب من الأسباب لا تأثير لها إلا بإذن الله عز وجل فلا يعتقد النفع فيها لذاتها بل فعل الراقي السبب والله هو المسبب إذا شاء.
وقد رأيت بعيني في مكة قبل أيام في بعض المحلات التجارية بعض الأواني نقشت بداخلها سورة يس والغرض منها صب الماء بداخلها وشربه للإستشفاء به وبعضها نقشت بداخلها آية الكرسي ووضع في وسطها أشياء تتدلى تشبه الصلبان تنغمس في الماء إذا صَبَّ في هذا الإناء فهذه رقي لا تجوز لأمور منها: