فأحيوا هذه السنة، وليكن لكم في سلف الأمة أسوة فقد أخرج البخاري في صحيحه (معلقاً مجزوماً به) أن ابن عمر وأبا هريرة رضي الله عنهما كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما) ( [9] ) .
والمراد أنهما يذكران الناس فيتذكرون ويذكرون، ولا يعني التكبير بصوت واحد جماعي، فهذا غير مشروع، قال ابن الحجاج في المدخل: (قد مضت السنة أن كل واحد يكبر لنفسه ولا يمشي على صوت غيره، فإن ذلك من البدع، وفيه خرق حرمة المسجد والمصلى، برفع الأصوات والتشويش على من به من العابدين والتالين والذاكرين) ( [10] ) .
أيها المؤمنون! قال أهل العلم: والتكبير مطلق ومقيد، فالمقيد عقيب الصلوات، والمطلق في كل حال في الأسواق وفي كل زمان) ( [11] ) .
وإذا كان التكبير المطلق يبدأ من دخول العشر، فإن المقيد ـ عقب الصلوات المكتوبة ـ يبدأ ممن فجر يوم عرفة إلى نهاية أيام التشريق، ومع أن الحافظ ابن حجر ـ يرحمه الله ـ قال: ولم يثبت في شيء من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث، وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود أنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى.. ( [12] )
إلا أن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف الفقهاء من الصحابة والأئمة أن يكبر من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة) ( [13] ) . وقال ابن كثير: (وهذا أشهر الأقوال وعليه العمل) ( [14] ) .
وهناك من العلماء من يرى أن التكبير أيام التشريق ليس مقيداً بأدبار الصلوات، بل هو مطلق في سائر الأحوال.. ( [15] )
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً.
إخوة الإسلام! يوم عرفة يوم عظيم فاضل من أيام الله، يوم أكمل الله فيه الدين وأتم النعمة فيه على المسلمين، حيث أنزل فيه قوله: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) ) ( [16] ) ، فيه يكثر العتق من النار، وفيه يكفر الله الخطايا والآثام، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي الملائكة فيقول:(ما أراد هؤلاء؟) ( [17] ) .
قال ابن عبد البر: (وهذا يدل على أنهم مغفور لهم، لأنه لا يباهي بأهل الخطايا إلا بعد التوبة والغفران والله أعلم) ( [18] ) .
ومن فضائل يوم عرفة خيرية الدعاء فيه، وله فيه مزية على غيره، حتى قال عليه الصلاة والسلام: (خير الدعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) ( [19] ) .
قال ابن عبد البر ـ معلقاً على هذا الحديث ـ: (وفيه من الفقه أن دعاء يوم عرفة أفضل من غيره، وفي ذلك دليل على فضل يوم عرفة على غيره.. وفي الحديث أيضاً دليل على أن دعاء يوم عرفة مجابٌ في الأغلب) ( [20] ) .
إخوة الإسلام! لا يظن أن هذه الأفضلية بيوم عرفة خاصة بالحجاج فالدعاء للحجاج وغيرهم، بل ورد ما يخص غير الحجاج في يوم عرفة ألا وهو الصيام الذي ورد في فضله (يكفر السنة الماضية والسنة القابلة) ( [21] ) .
فإذا اجتمع أفضلية اليوم، وكان المرء صائماً.. كان الداعي حريّاً بالإجابة، فاحرصوا على صيام هذا اليوم واحرصوا فيه على الدعاء وشاركوا الحجاج في دعائهم وابتهالهم عسى الله أن يتقبل منكم ويغفر ذنوبكم.
أيها المسلمون! كما تحرصون على استثمار هذه الأيام الفاضلة بالأعمال الصالحة، فاحذروا المعاصي، وبادروا بالتوبة النصوح، وللتوبة في الأزمنة الفاضلة شأن عظيم، وإن كان باب التوبة مفتوحاً على الدوام، وإذا كان العقل السليم ينفر من المعاصي على الدوام فنفرته منها في وقت المواسم والفضائل أشد. وقد ذكر بعض أهل العلم تغليظ عقوبة المعصية في الأيام المباركة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد سئل عن إثم المعصية وحد الزنا هل تزاد في الأيام المباركة أم لا؟ فأجاب: نعم، المعاصي في الأيام المفضلة والأمكنة المفضلة تغلظ، وعقابها بقدر فضيلة الزمان والمكان) ( [22] ) .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (( ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ) ) ( [23] ) ، نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين فضل الشهور والأيام، وأسبغ على الخلق من آلائه ونعمه ما يشهد به أولو البصائر والإفهام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل من صلى وحج وصام، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين.
أيها المسلمون! كما هي فاضلة أيام العشر كلها، ويوم عرفة على الخصوص، فثمة يوم فاضل من أيام الله، إنه يوم الحج الأكبر، يوم النحر، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يوم الحج الأكبر يوم النحر) ( [24] ) ، وهو أفضل أيام العام لحديث عبد الله بن قرط رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أعظم الأيام عند الله تعالى يوم النحر ثم يوم القر) ( [25] ) .
وبهذا كان يفتي شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله، وقد سئل عن يوم الجمعة ويوم النحر أيهما أفضل؟ فأجاب: يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحر أفضل أيام العام، ووافقه ابن القيم فقال: وغير هذا الجواب لا يسلم صاحبه من الاعتراض الذي لا حيلة له في دفعه) ( [26] ) ، (ولقد فضل العلماء عيد النحر على عيد الفطر) ( [27] ) .
إخوة الإسلام! إذا علم فضل هذا اليوم ـ أعني عيد الأضحى ـ أفيسوغ التكاسل فيه عن الطاعة، أن يسوغ فيه اللهو المحرم في الملة ـ إن بعض الناس يتزاحمون في حضور صلاة العيد وهي سنة مؤكدة لا ينبغي على مسلم قادر تركها، ومن أهل العلم من يرى وجوبها كابن تيمية وابن القيم، قال ابن تيمية: (وقول من قال: لا تجب في غاية البعد، فإنه من أعظم شعائر الإسلام، والناس يجتمعون لها أعظم من الجمعة وقد شرع فيها التكبير، وقول من قال: هي فرض على الكفاية لا ينضبط) ( [28] ) .
وقال ابن القيم عن وجوبها: (وهذا هو الصحيح في الدليل) ( [29] ) .
وهناك غيرهم قال بالوجوب، واستدل العلامة صديق حسن خان على وجوب صلاة العيدين بأنها مسقطة للجمعة إذا اتفقتا في يوم واحد، وما ليس بواجب لا يسقط ما كان واجباً..) ( [30] ) .
يا أخا الإسلام! إذا كان رسول الهدى صلى الله عليه وسلم أمر النساء العواتق وذوات الخدور والحيض ـ مع اعتزالهن الصلاة ـ بالخروج لصلاة العيدين، أفا يليق بك أن تتأخر عنها، أو تترك أهلك وأولادك عن حضورها مع المسلمين ـ إنها أعيادنا المشروعة في الإسلام (عيد الفطر وعيد الأضحى) يعظم فيها ذكر الله، ويجتمع المسلمون توحدهم رابطة العقيدة وإن اختلفت بلادهم، أو تعددتا لغاتهم، أو تباينت ألوانهم.. وإذا لزم إظهار هذه الشعيرة في كل حال، فهي في حال ضعف المسلمين وهوانهم أحرى وأولى.. وكم فيها من غيظ للأعداء.. وكم في اجتماع المسلمين بشكل عام من قوة ترهب الأعداء لو عقل المسلمون قيمة اجتماعهم وتوحدت قلوبهم كما اجتمعت أبدانهم.