حين يكون الحديث عن العلم والمعرفة والكتاب ومعارضه فلابد من توطئة تقول: نحن أمة العلم ومحضن العلماء، فمنذ أشرق نور الإسلام بـ (إقرأ) والمسلمون وفي مقدمتهم محمد صلى الله عليه وسلم يقرأون لكن بإسم ربهم لا بإسم (يغوث، ويعوق، ونسراً) وغيرهم ممن أضلَّ كثيراً 0للقلم ظلُ في حضارتنا، فبه عُّلّم الإنسانُ ما لم يعلم، وبه أقسم الباري تعظيماً وتأكيداً {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ } 0العلم زادُنا ومحل دعائنا { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً } والعلماء الربانيون تيجان ورموز فوق هامتنا { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } وحين يكون الحديث عن الثقافة فنحن من وعى الثقافة وحررها ونقاها ثم صدَّرها، في وقت كانت الثقافة نصوصا تحفظ أو ممارسات خاطئة تقسم الشعوب طبقاتً وتورثها بهذه الطبقيةٍ ظلماً وعدوانا وإرهاباً وإقصاءً 0لقد شعت أنوارُ حضارتنا فأضاءت الكون بنورها وتنفَّس المظلومون والمضطهدون الصُعداء على أفياء عدلها وأصالتها 0نحن أهلُ الثقافة لكنها الثقافةُ الأصيلة التي تحفظ للفرد كرامته، وللمجتمع أمانة، وللحاكم والمحكوم حقوقهما لم تكن ثقافتنا سلبيةً أو نصوصاً جامدة، بل حدت بنا إلى الإبتكار والتجديد والإنتاج والتحفيز، والطموح في كل ميدان 00 لكن {بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } 0كانت هذه الثقافة الإيمانية الأصيلة تفسر لنا كل شي في هذا الكون بصدق منطق، وإعتدال نطره وشمول في الرؤية، لا تناقض ولا حيرة، بل هداية ويقين {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } 0وسارت هذه الحضارة وانتشرت هذه الثقافة في كل مكان، ولا تزال مكتبات العالم كله تحتفظ بمخطوطات علمائنا وتشهد على إنجاز حضارتنا وما يزال العلماء إلى عصرنا يحققون في هذا التراث الضخم، ويساهم المسلم وغير المسلم في تحقيق هذا التراث، ويشترك غير المسلمين مع المسلمين في الإعجاب بهذا التراث الضخم 00ولئن لم يسلم هذا التراث الإسلامي من الاعتداء والغزو، والتحريف والتشكيك فتلك سنه من سنن الله في التدافع والصراع بين الحق والباطل، وبين أهل الإسلام وملل الكفر 00ولكن الداء العضال حين يتطاول على هذا التراث الأصيل من أبناء الإسلام، مدعياً التجديد فيه، أو راكباً قطار الآخرين، أو متدثراً بحرية النقد، وهم إنما يرومون التشكيك في الأصول والتطاول على الثوابت، ونشر الفكر المنحل، وترويج الثقافة العفنة 00 ومن هنا صدرت كتبٌ في الإلحاد والزندقة وكُتبت رواياتً في الجنس تدعو لإشاعة الفاحشة في الذين ءامنوا وأُلفت كتبٌ في الأدب تعتمد الحداثة الغربية، وتحطم الأطر وتتفلت من كل قيد 00 حتى حُشيت بسب الدين والسخرية من القيم، بل تطاولت على رب العالمين تعالى وتقدس 0وألُفت كتب أخرى في التاريخ تطعن بخير القرون، وتقرأ التاريخ قراءة مادية نفعيه، وتسلط الضوء أكثر على السقطات، وتهمل الشامخات، وتدعي تحرير التاريخ أو إنقاذ التاريخ 00 وهي تطعن فيه بالصميم !!وهكذا الأمر في علم الاجتماع أو التربية 00 أو نحوها من العلوم الإنسانية التي شوهها أدعياء الإصلاح، ومن يسمون أحياناً بالنخب المثقفة 00 وللحق والعدل فثمة كتابات ومؤلفات في هذه الفنون تعتبر أنموذجاً للمنهج العلمي الرصين، وللعزة بالإسلام وأهله 0
إخوة الإسلام:
ولئن كان هذا الركام الثقافي المستغِرب واحدة من مشكلات الأمة ومعوقاتها عن النصر إذ هو بوق للأعداء ومبشر بحضارتهم وداع لقيمهم وتلك الحضارة المبشر بها هي اليوم التي تحاصر المسلمين وتعيق تقدمهم، بل تقتل شعوبهم وتستعمر بلادهم وتنهب خيراتهم ؟! أقول لئن كان هذا الفكر وتلك الثقافة معوقاً لنهوض الأمة - وهذا في حد ذاته بلية - فالبلية الأعظم حين يُسوق لهذا الفكر، وتروج هذه الثقافة في بلاد المسلمين 0أجل لقد استنكر الناس عامة وأهل العلم والمثقفون بخاصة ما حدث في معرض الرياض للكتاب (الأخير) حيث حملت قوائمه كتباً في الإلحاد والزندقة، وبيعت رواياتٌ تحكي الدعارة وتروج للمجون وتكشف للأحداث والنساء صنوف الممارسات الجنسية الشاذة 00وضعفت الرقابة في المعرض إلى حدٍ بيعت فيه محرمات دولية، وأعتدى على مقام الألوهية والنبوة، ولم تكن سياسة الدولة وأنضمتها بمنأى عن النقد 00 حيث شملت أروقة المعرض على كتبٍ تناهض سياسة الدولة 00 وضج الناس، واستنكر أهل العلم، ووصلت قضية المعرض إلى قبة مجلس الشورى، وطالب عددٌ من أعضاء المجلس بمساءلة الوزارة المشرفة على تنظيم المعرض، ومحاكمة مسئوليها إلى أنظمة الدولة ولوائحها التي تنص على احترام القيم الإسلامية وتؤكد على محاربة الفكر الفاسد، وتجعل من الشريعة الإسلامية أساساً للحكم والتحاكم، ولا يزال السؤال وارداً على وزارة الثقافة والإعلام كيف سمحت لعدد من الكتب الممنوعة والمناهضة لسياسة البلد وتوجهه أن تعرض في معرض الرياض الدولي للكتاب ؟ ولا ندري ماذا سينتهي إليه طلب أعضاء مجلس الشورى حضور الوزير للمساءلة ؟ إن دولة ترعى المقدسات الإسلامية، وتحمي الحقوق المشروعة حرية بأن تساءل أي مسؤول يتجاوز هذه السياسة، وأن تضع حداً لمن يتجاوز الأطرا لشرعية والنظامية 0 إن بلادنا موئل الوحي ومهبط الرسالة، وقبلة العالم الإسلامي، لا ينبغي بحال أن يخرق سفينتها من يتجرأ ثم يعتذر، ثم تتكرر الأخطاء وتتجاوز الأخطاء المعرض إلى وسائل الإعلام التي خرجت عن إطار السياسة الإعلامية العليا للدولة 00 ولا يزال أهل العلم والرأي وأصحاب الشورى وأساتذة الجامعات وغيرهم يتطلعون إلى وقفة تصحيحية من الدولة - وفقها الله - تعيد الحق في نصابة، وتردم فجوة صنعها ويصنعها المتعجلون في تغريب البلد 0 إن هؤلاء المتعجلين - في التحديث - كما يرون، يزرعون تعجلاً آخر، ويهيأون أرضاً للغلو، ويتيحون فرصاً للإرهاب ليست بلادنا بحاجة إليها 00 بل طالما عانت من ويلاتها 0 إن بيئة الغلو تنمو حيث يكون الغلو الآخر، وأبرز وسائل مقاومة الغلو والتطرف محاربة الفساد الفكري، وسد منافذ الإلحاد والزندقة 0وإذا رعت بلادنا - وفقها الله للخير - مؤتمرات أو ملتقيات لصحة البيئة 00 فلئن ترعى صحة الفكر وسلامة المعتقد من باب أولى، وصحة البيئة الفكرية والقيمية ركن مهم في سلامة البيئة وصحتها بمفهومها الأعمق والأشمل 0 وإذا كانت لبلادنا - بلاد الحرمين - سبق مشكور في الإحتجاج على إساءة الدانمرك للإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم وللمسلمين فمن غير المعقول أن ترضى أن يساء للدين والقيم والإسلام والمسلمين بل ويتطاول على رب العباد 00 في أرضها 00 وعبر وزارة من وزاراتها 0 لقد استنكر عدد من مسئولي الدولة ما جرى في معرض الرياض من عبث في الثقافة بإسم الثقافة، ومن ترويج للكتب الساقطة والممنوعة بإسم الحرية 00 ولا يزال الناس بانتظار الخطوة الأخرى لهذا الإستنكار 0 أما إعتراف المسؤولين بوزارة الثقافة والإعلام بوجود تجاوزات في المعرض، وحصول الأخطاء 00 فهذا وحده لا يكفي 00 فكيف يعالج الخطأ وقبل ذلك كيف ومن المسؤول عن هذا الخطأ ؟ 0 إن الناس من الوعي بدرجة لا يكفي فيها مجرد الإعتراف والإعتذار البارد بل لا بد من خطوات عاجلة لما حصل، وخطوات مستقبلية تضمن عدم تكرار الخطأ 0
أيها المسلمون: