ما أجملَ أن يكونَ لكَ بهذِهِ النزهةِ عبرةٌ ومُدكرٌ، فكما أنَّك لا تبني في هذه النزهةِ قصوراً ولا تؤمل فيها آمالاً، لأنك على يقينٍ من أن لكَ داراً في المدينةِ ستعودُ إليها، كذلكَ فإنَّ عليكَ أن تعلمَ أنَّ هذه الدُّنيا دارُ فناءٍ وأنَّ لكَ داراً أخرى تنتظرُكَ، فماذا أعددتَ لهَا؟!.
ما أجملَ أن تكونَ تلكَ النزهةُ في ذلكَ الهواءِ الطلقِ، والسماءُ الصافية، والألوانُ الزاهيةٌ التي تجعلكَ تنظُرُ وتتأملُ في نجومِ السماءِ وأفلاكِها، والتي قد لا تَراها في المدنِ، فتكون ممِن قالَ اللهُ فيهم: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار) .ِ [آل عمران:191] .
ما أجملَ تلكَ النُّزهةَ التي تكونُ فيها النُّكتةُ المباحةُ، والفائدةُ الممتعةُ؟!.
ما أجمل - واللهِ - ذاك الرجلَ الذي أخذ أسرتهُ وذهبَ بهم للترويحِ البرئِ بمكانٍ خالٍ من أعينِ المتلصصينَ على عوراتِ الناسِ ومحارِمهمْ؟!.
هذهِ كلُّها جميلةٌ، ولكنَّ الذي يكدرُ الخاطرَ، ويؤنب الضمائرَ ما نراهُ في تلكَ المنتزهاتِ الجماعيةِ، أو ما تسمى بالعائليةِ من مشاهدَ مقززةٍ من تبرجٍ وسفورٍ، وارتفاعٍ لأصواتِ النساءِ، حتى وصلَ الأمرُ ببعضِ النساءِ أن تستخدمَ أرجوحةَ الأطفالِ والأجانبُ ينظرونَ! ويجري هذا تحتَ سمعِ وبصرِ الأولياءِ!.
فيا سبحان اللهِ!.
أوصلَ حالُنا إلى ما نرى؟!.
أفقدتِ الغيرةَ؟!.
أذُبحت الأخلاقُ؟!.
أخي العزيزَ:
إنِّي أحدِّثك عن مفاسِدِ تلكَ المنتزهاتِ العائليةِ المختلطةِ سواءً كانتْ معدةً لذلكَ أم لا، والتي قد تُطالبُ بها حتى تكونَ لكَ ولعائلتِكَ متنفساً، ولكن رجائي أن لا تفرَّ بسمعِكَ أو بقلبِكَ عن حديثي.
أخي الكريم:
هلْ يمكنُ لكَ أن تنبسطَ مع أولادِكَ وأهلكَ في مثلِ تلكَ التجمعاتِ؟!.
هلْ يمكنُ لزوجتكَ أن تأخذَ راحتها وأُنسَها، وتتأملَ في ملكوتِ اللهِ تعالى، والناسُ من حَولِها، والأسرةُ بقربِ الأسرةِ!؟.
ثم كمْ من الشبابِ الذين يترصدونَ لاصطيادِ الفتياتِ في تلكَ التجمعاتِ، والذين لا همَّ لهمْ إلا النظرَ في عوراتِ الناسِ؟!.
وكم من الشبابِ الذين نراهُمْ في سيارتهِم وقد رفعُوا أصواتَ المُوسيقى الصاخبة،ِ فهل يمكنُ أن تعملَ شيئاً؟!.
وهل يمكنكَ أن لا تُسمِعَ تلكَ الأصواتِ أولادكَ وأسرتكَ؟!.
وكم من المشاهِدِ ستراها أنت بنفسكَ، وهي لا تحلُّ لكَ؟!.
فمن الذي يُبيحُ لكَ رُؤيةَ النساءِ المتبرجاتِ؟!.
وهل يمكنكَ في تلكَ الأماكنِ أن تغضَّ طرفكَ؟!.
وإن غضضتهُ عن تلكَ، فهل يمكنُ أن تغضهُ عن الأخرى وغيرِها؟!.
إن حديثي إليكَ بهذه الصراحةِ لعلميِ أنك رجلٌ تقدرُ شعائرَ دينكَ حقَّ قدرِهَا، وتضعُ لها الأولوياتِ في حياتِكَ، ولا يمكنُ أن تعملَ شيئاً إلا بعد أن تعرفَ حكمَ اللهِ تعالى فيهِ، لأنكَ رضيتَ بهذا الدينِ، ورضيتَ باللهِ رباً، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلّم نبياً، ولذا قد تقولُ لي إنَّ لها إيجابياتٍ، وأوافقكَ على ذلكَ، ولكنْ سلبياتهِا أكثرُ من إيجابياتِها.
وإذا كان الأمر كذلكَ فدرءُ المفسدةِ مقدمٌ على جلبِ المصلحةِ.
ولعلك يا أُخي لا تقتنعُ بكلامي هذا وتقولُ: إن هذا ضربٌ من التعجيزِ والتعقيدِ والدينُ يسرٌ!، وأقولُ لكَ بلسانِ المشفقِ: ربما لن يستيقظَ قلبكَ إلاّ إذا لُدِغتْ - لا سمحَ اللهُ - وعندها لن ينفعُ ندمٌ.
ثم يا أخي العزيزَ، ربما قلتَ: إنني أجدُ ضغطاً من أسرتي وإلحاحاً، فأقولُ لكَ قالَ اللهُ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) . [سورة التغابن، الآية: 14] . وأعلم أنَّك مسئولٌ أمامَ اللهِ عن هذه العوراتِ التي أخرجتَها من بيوتٍ ساترةٍ، فلا تجعلها أمامَ الناسِ سافرةً.
بارك الله لنا جميعاً في القرآن العظيم، ونفعنا بمواعظه وزواجره.
أقول ما تسمعون، واستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرحيم.
الخطبةُ الثانيةُ
الحمدُ لله وحده، والصلاةُ والسلام على من لا نبيّ بعده، وبعد:
أخي الفاضلَ:
لعلكَ تقول بلسانِ حالكِ، أو بلسانِ مقالكَ: شخصتَ لنا الداءَ، ولم تشخصْ لنا الدواءَ! منعتنا من التنزهِ في تلكَ المنتزهاتِ المختلطةِ، ولم تذكر لنا بديلاً عنها!.
وها هنا أنبهُك إلى أمرٍ عظيمٍ غفلَ عنهُ الكثيرونَ، وغابَ عن بالِ آخرين، ألا وهو ذلك الخطأُ الفادحُ، والأمرُ المشينُ، وهو مطالبةُ المسلمِ دائماً بالبدائلِ في كلِّ شيءٍ مُنعَ منهُ وحرمَ عليهِ، مع أنَّ الواجبَ على المسلمُ أن يقولَ سمعنَا وأطعْنا: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) . [سورة النور، الآية: 51] .
فهذا هو الأصلُ في المؤمنِ إذا جاءهُ عن اللهِ ورسولِهِ من الأوامرِ والنواهي: المبادرةَ والسمعَ والطاعةَ.
ولذلكَ يخاطبُ اللهُ تعالى عبادةُ المؤمنينَ بأجلِّ الأوصافِ وأحبِّها إليهمْ لاستجاشةِ قلوبِهِم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) . [سورة الأنفال، الآية: 24] .
وهكذا كان الجيلُ الفريدُ أصحابَ محمدُ صلى الله عليه وسلّم، حيث الاستجابةِ الحيةِ لأوامرِ اللهِ ورسولُهُ دون ترددٍ ولا تلكؤٍ فهاهُم:"لما نزلت آيات الخمر في تحريمه، لم يحتج الأمر إلى أكثر من مناد في نوادي المدينة: ألا إن الخمر قد حرمت. فمن كان في يده كأس حطمها، ومن كان في فمه جرعة مجها، وشقت زقاق الخمر وكسرت قنانيه، وانتهى الأمر كأن لم يكن سكر ولا خمر" (3) .
إذاً لماذا كُلَّما ذكرنا أمراً محرماً طالبنا الناسُ بقولهم: ما هو البديلُ؟! وكأن القائلَ يقولُ: إذا لم تُحضِروا لي بديلاً لن أتراجعَ عمَّا أنا فيهِ من المخالفةِ والعصيانِ، وذلكَ وربِّ الكعبةِ لهو الخُسرانُ المبينُ، قالَ تعالى: (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ) . [سورة الرعد، الآية: 18] ويقول سبحانه: (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ) . [سورة الشورى، الآية: 47] .
إذاً فهذا أصلٌ يجبُ أن يتربَّى المسلمونَ عليهِ، ويُنشأُ عليهِ الصغيرُ، ويهرمُ عليه الكبيرُ.
ولا بأس أن أذكرَ لك َبعضَ البدائلِ التي تحضُرُني، وكما قيلَ: الحاجةُ أمُّ الاختراعِ.
فمنَ تلك البدائلِ:
الاستراحاتُ: فهذه الاستراحاتُ فيها متنفسٌ لكثيرٍ من الناسِ، فيخرجُ الرجلُ مع أسرتِهِ، ويقضي وقتهُ معهُمْ بأنسٍ وسعادةٍ، دون مضايقاتٍ ولا معاكساتٍ، هادئَ البالِ، قريرَ العينِ، مطمئنَّ النفسِ. فهذه واحدةٌ.