فهرس الكتاب

الصفحة 7743 من 9994

دعونا من الخلفاء الراشدين والصحابة المكرمين، ولنتجاوز الزمن سنيناً عدداً، فها هو هارون الرشيد الخليفة العباسي العظيم، الذي أذلّ القياصرة، وكسّر الأكاسرة، والذي بلغت مملكته أقاصي البلاد شرقاً وغرباً، ها هو يخرج يوماً في موكبه وأبهته، فيقول له يهودي، يا أمير المؤمنين اتق الله! فينزل هارون من مركبه ويسجد على الأرض لله رب العالمين، في تواضع وخشوع، ثم يأمر باليهودي، فيقضى له حاجته، فلما قيل له في ذلك! قال:"لما سمعت مقولته تذكرت قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) . فخشيت أن أكون ذلك الرجل!".

وكم من الناس اليوم من إذا قيل له: اتق الله، احمرت عيناه، وانتفخت أوداجه، غضباً لنفسه، وغروراً بشأنه؟!.

قال ابن مسعود رضي الله عنه:"كفى بالمرء إثماً أن يقال له: اتق الله، فيقول: عليك نفسك! مثلك ينصحني؟!".

إذاً فيوم غمرت قلوب السلف بالتقوى. جمعهم الله بعد فرقه، وأعزهم بعد ذلة، وفتحت لهم البلاد ومصرت لهم الأمصار، وكل ذلك تحقيقا لموعود الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) .

أما حين تغيب التقوى كما هو واقعنا اليوم: تعود البلاد جرداء، والأرض صحراء، وتقل الموارد، وتتبخر الأرصدة، ولا يبارك في مد ولا صاع، ولا ملبوس ولا مركوب، ويكثر العاطلون، ويتجرأ السُرّاق، وينعدم الأمن، ويقل الحياء وتتوارى الفضيلة.

وأما على نطاق المواجهة مع الأعداء: فتتحول الجموع الحاشدة، والملايين الغاضبة إلى نمور من ورق، ينتفخون انتفاخة الهر، ويهربون هروب الخائف الملهوف، وصدق فيهم خبر رسولنا صلى الله عليه وسلم:"تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها! قالوا أمن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟! قال: لا أنتم، يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل"!.

وكأني به عليه السلام، يخاطبنا نحن، ويقصدنا نحن الذين بلغنا ألف مليون لكننا متناحرون، ممزقون، تكالبت علينا الأمم، فأثخنت جراحنا وأراقت دماءنا، وأذاقتنا الذل والصغار، ونحن الذين اُصطفينا لنكون خير امة أخرجت للناس!.

فماذا فعل اليهود بفلسطين؟!.

وماذا فعل الهندوس في كشمير؟!.

وماذا فعل الصرب في البوسنة والهرسك؟!.

وماذا فعل النصارى في الصومال والفلبين؟!.

إلا أنه لا مخرج لنا، ولا نجاة إلا بتحقيق التقوى في الصدور، وتصحيح أصل الإيمان في القلوب!.

ويومها سيسود الأمن، وتحفظ الأمانة، وتعم الفضيلة، وتخضع لنا الأعداء.

بارك الله لي ولكم في القرءان العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول ما تسمعون، واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا اله إلا الله ولي الصالحين، وأن محمداً إمام النبيين، وأشرف المرسلين، صلى الله عليه، وآله وصحبه والتابعين، ومن سلك طريقه، واهتدى بهداه إلى يوم الدين،

ما بعد:

فان للمتقين صفات، وللتقوى ثمرات.

فمن صفات المتقين: ما أخبر به سبحانه:

(الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .

إذاً فمن صفاتهم الإيمان بالغيب، ومنه الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان بالقضاء والقدر، والجنة والنار، والحشر والجزاء والحساب والصراط والميزان.

ومن صفاتهم أنّهم يقيمون الصلاة، أي: يقيمونها بخشوعها وخضوعها وأركانها وواجباتها، ويؤدونها في أوقاتها من غير مماطلة أو تثاقل أو تأخير أو تسويف.

فهم مواظبون على أدائها مع جماعة المسلمين في المساجد، استجابة لله ولرسوله، وخوفاً من أليم عقابه تعالى.

ومن صفاتهم: الإنفاق في مرضاة لله، فهم مزكون لأموالهم، متصدقون على الفقراء والمساكين والمحتاجين.

ومن صفاتهم: الإيمان بما أنزله الله تعالى على رسوله، وهو القرآن العظيم، إيماناً يدفعهم إلى الوقوف عند حدوده، والتزام شرائعه وتحكيمه والتحاكم إليه.

وأما ثمرات التقوى وفوائدها، فيصعب حصرها، فمنها:

• نيل رضوان الله تعالى في جنات النعيم: قال الله تعالى: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) .

• معية الله تعالى، بالحفظ والتأييد، والنصرة والتمكين: ومن كان الله معه فلن تنتكس له راية، ولن تخيب له دعوة، ولن يُهزم له جند، قال الله تعالى: (إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) .

• ومن ثمرات التقوى، الانتفاع بالقرآن العظيم، وبما فيه من الآيات والذكر الحكيم: قال الله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) .

• ومن ثمرات التقوى: الحفظ والصون من كيد الشيطان ووسوسته، ومكره وخبثه: قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) .

• ومن ثمرات التقوى كذلك: قبول العمل الصالح، قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) .

• ومن ثمراتها كذلك: انتفاء الخوف والحزن في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد قال الله تعالى: (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) .

• ومن ثمرات التقوى: حسن العاقبة في الدارين، ففي الدنيا أمن ونصر وتمكين، وفي الآخرة جنة ونعيم، قال الله تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) .

• ومن ثمرات التقوى كذلك: النجاة من نار جهنم المخيفة المرعبة، قال الله تعالى: (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً) .

هذا قليل من كثير، وغيض من فيض، فما أنت فاعل أيها الأخ الكريم؟!.

إلا ترى أنّ الوقت قد حان لتنضم لرحاب المتقين، ومواكب الصالحين؟!.

لا أظن أنّ أحدا في قلبه بقية من إيمان يسمع آيات الله، وأحاديث رسوله في الوعد والوعيد إلا ويسارع إلى ربه ومولاه متضرعاً لقبول توبته، مردداً بخشوع وخضوع: رب إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني انك أنت الغفور الرحيم.

أخي في الله:

تدارك نفسك قبل أن يقال: رحم الله فلاناً، فقد مات فجأة، أو: صلّوا على فلان واكسبوا أجره.

اللهم إنا نسألك رحمة تهدي بها قلوبنا، وتلم بها شعثنا، وتذهب بها الفتن عنا،

اللهم لا تفرق هذا الجمع، إلا بذنب مغفور، وعمل متقبل مبرور، إنك أنت الرحيم الغفور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت