عباد الله، إن المؤمن في هذه الحياة، يجد صعوبة بالغة، في أن يعيش وحيدا فريدا، دون صديق أو مؤانس، صديق يناجيه، وخِلِّ يلاقيه ويواسيه، يشاطره مسرته، ويشاركه مساءته. لقد أصبحت علاقات الكثيرين من الناس في هذا العصر، خداجا خداجا غير تمام، تقوم لغرض وتقعد لعرض، والإسلام دين الأخوة والمحبة والتآلف وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الأرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَاكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:63] . الحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، به تقع الألفة، المتحابون في الله، دائمة صحبتهم، باقية مودتهم، لا تزيدها الأيام إلا وثوقا وإحكاما، لخلوصها من الإثم، والأغراض الدنيئة الأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] . قال رسول الله: (( أيها الناس اسمعوا واعقلوا، واعلموا أن لله عز وجل عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء، على منازلهم وقربهم من الله ) )، فجثا رجل من الأعراب من قاصية الناس، وألوى إلى النبي فقال: يا رسول الله: ناس من المؤمنين ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم؛ انعتهم لنا. فسر وجه رسول الله بسؤال الأعرابي فقال: (( هم ناس من أفناء الناس، ونوازع القبائل، لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله وتصافوا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها، فيجعل وجوههم نورا، وثيابهم نورا، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) )رواه أحمد [6] ورجاله ثقات. اللهم أظلنا في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك.
عباد الله، إذا ما يسرت للمسلم سبل الغواية، ودعت إليها الدواعي والمغريات دعا، فهو بحاجة ماسة، إلى أن يرى برهان ربه، وأن يسطع نور الهداية في فؤاده، وليس هناك امتحان، أقسى من امتحان، يتغلب فيه المرء على صبوته وغريزته، تبذل له حسناء نفسها، وهو في فحولة الرجولة. وهي في حالة رفيعة من الجمال والجاه، فاتنة عاشقة مختلية متعرضة، متكشفة متهالكة، فحينها لا ينبغي أن ييأس الرجل، إذ إن مطارق الخوف من الله ومراقبته، تعينه على أن يرى برهان ربه، وتذكره بقوله تعالى عن يوسف وَرَاوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الاْبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ [يوسف:23] .
لقد اجتمع ليوسف عليه السلام، من الدواعي لإتيان الفاحشة الشيء الكثير؛ فلقد كان شابا وفي الشباب ما فيه، وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا [يوسف:24] . وقد غلقت الأبواب، وهي ربة الدار، وتعلم بوقت الإمكان وعدم الإمكان فكان ماذا؟ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [يوسف:23] . استعاذة وتنزه واستقباح، ولماذا؟ وما هو السبب؟ لأنه يعبد الله كأنه يراه، فأراه الله برهان ربه وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى [النازعات:40، 41] .
(( كان الكفل، من بني إسرائيل، لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها، فلما أرادها على نفسها، ارتعدت وبكت، فقال: ما يبكيك؟ قالت: لأن هذا عمل ما عملته، وما حملني عليه إلا الحاجة. فقال: تفعلين أنت هذا من مخافة الله، فأنا أحرى، اذهبي فلك ما أعطيتك ووالله ما أعصيه بعدها أبدا، فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه: إن الله قد غفر للكفل، فعجب الناس من ذلك ) )رواه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه [7] .
فاتقوا الله ـ معاشر المسلمين ـ وتخلقوا بأخلاق رسول الله واهتدوا بهديه تفلحوا، ويتحقق لكم ما وعدكم به من الاستظلال بظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظله.
[1] صحيح البخاري ح (660) ، صحيح مسلم ح (1031) .
[2] حسن، سنن الترمذي ح (2417) وقال: حديث حسن صحيح.
[3] الطوق: حَلْي للعنق ، والعبارة التي ذكرها الخطيب مُستلة من المثل المشهور (شبّ عمر وعن الطوق) ، و (كَبر عمر وعن الطوق) يضرب لملابس ما هو دون قدره ، كما يتضح عند قراءة مورده ، والمعنى الذي رمى إليه الخطيب هو أنه لا بد من صفاء المحضن من الصغر حتى حالة النضج في الكبر ، راجع (القاموس وتاج العروس ، مادة طوق ، ومجمع الأمثال للميداني(3/14) تحقيق محمد أبو الفضل ، طبعه دار الجيل).
[4] أخرجه البخاري ح (893) ، ومسلم ح (1829) .
[5] سنن ابن ماجه ح (800) ، صحيح ابن خزيمة ح (1491) .
[6] مسند أحمد (5/343) ، وأخرجه أيضًا الحاكم (4/170) وصححه ووافقه الذهبي وحسّن المنذري إسناده. الترغيب ح (4448) .
[7] سنن الترمذي ح (2496) وقال: حديث حسن، ومستدرك الحاكم (4/254 ـ 255) وصححه ووافقه الذهبي. ... ... ...
الخطبة الثانية ... ... ...