فهرس الكتاب

الصفحة 7546 من 9994

والواقع أيها الناس ، أنه إنما خذل من خذل من أمثال هؤلاء الغافلين ، لأنهم على عجزهم وضعفهم ، ظنوا أنفسهم شيئا مستقلا ، لا سباق لهم في ميدان ذكر الله ، بينما نجد آخرين عمالقة في قوتهم ، وهم من ذلك ، يرون أنفسهم صفرا من دون ذكر الله تعالى ، فكانت النتيجة أن طرح الله البركة واليمن على من ذكروه ، فنجوا وأفلحوا ، ورفع رضوانه وتأييده عمن اعتز بنفسه ، فتركه مكشوف السوءة عريان العورة .

وفي حضارتنا المعاصرة ، كثر المثقفون ، وشاعت المعارف الذكية ، ومع ذلك كله ، فإن اضطراب الأعصاب وانتشار الكآبة داء عام . ما الأمر وما السبب في ذلك ؟ إنه خواء القلوب من ذكر الله ، إنها لا تذكر الله كي تتعلق به وتركن إليه ، بل كيف تذكر ، من تتجاهله ؟!!!

إن الحضارة الحديثة ، والحياة المادية الجافة ، مقطوعة الصلة بالله إلا من رحم الله ، والإنسان مهما قوي فهو ضعيف ، ومهما علم فعلمه قاصر وحاجته إلى ربه أشد من حاجته إلى الماء والهواء ، وذكر الله في النوازل عزاء للمسلم ورجاء الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب [سورة الرعد:28] . ولو تنبه المسلمون لهذا ، والتزموا الأوراد والأذكار ، لما تجرأ بعد ذلك ساحر ، ولا احتار مسحور ، ولا قلبت بركة ، ولا تكدر صفو ، ولا تنغص هناء .

عباد الله:

هناك من الناس من يذكرون الله ، ولكنهم لا يفقهون معنى الذكر ، فتصبح قلوبهم بعيدة عن استشعار جلال الله ، وقدره حق قدره ، وذكر الله عز وجل ، كلام تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ، غير أن الناس مما ألفوا منه ، وما جهلوا من معناه ، لا يرددونه إلا كما يرددون كلاما تقليديا ، وإلا فهل فكر أحد في كلمة (( الله أكبر ) )التي هي رأس التكبير وعماده ، وهي أول ما كلف به الرسول حين أمر بالإنذار يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر [سورة المدثر:1-3] .

إنها كلمة عظيمة ، تحيي موات الأرض الهامدة ، لصوتها هدير كهدير البحر المتلاطم ، أو هي أشد وقعا .

إنها كلمة ، ينبغي أن تدوي في أذن كل سارق وناهب ؛ لترتجف يده ، ويهتز كيانه . وكذا تدوي ، في أذن كل من يهم بإثم أو معصية ، ليقشعر ويرتدع ، وينبغي أن تدوي في أذن كل ظالم معتد متكبر ، ليتذكر إن كان من أهل الذكرى ، أن هناك إلها أقوى منه ، وأكبر من حيلته واستخفافه ومكره ، أخذه أقوى من أخذ البشر ومكرهم وخديعتهم ، فالله أكبر ، الله أكبر كبيرا .

فاتقوا الله أيها المسلمون ، واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ، واتق الله أيها المسلم الغافل ، فإن كنت بعد هذا ، قد أحسست أنك ممن قد فقد قلبه بسبب غفلته ، فلا تيأس من وجوده بذكر الله ،

فقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن ألا تلاقيا .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يا أيها الذين ءامنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون [سورة المنافقون:9] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم … ... ... ...

الخطبة الثانية ... ... ...

الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشانه ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه ، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه .

أما بعد:

فاتقوا الله معشر المسلمين ، واعلموا وفقكم الله ، أن لسائل أن يسأل: ما بال ذكر الله سبحانه، مع خفته على اللسان وقلة التعب منه ، صار أنفع وأفضل ، من جملة العبادات مع المشقات المتكررة فيها ؟

فالجواب: هو أن الله سبحانه جعل لسائر العبادات مقدارا ، وجعل لها أوقاتا محدودة ، ولم يجعل لذكر الله مقدارا ولا وقتا ، وأمر بالإكثار منه بغير مقدار ، لأن رؤوس الذكر هي الباقيات الصالحات ؛ لما ثبت عن النبي أنه قال: (( خذوا جُنتكم . قلنا: يا رسول الله ، من عدو قد حضر ؟ قال: لا ، جنتكم من النار ، قولوا: سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله، والله أكبر . فإنهن يأتين يوم القيامة منجبات ومقدمات وهن الباقيات الصالحات ) )رواه الحاكم وصححه .

ثم ليعلم كل مسلم صادق ، أن المؤثر النافع ، هو الذكر باللسان على الدوام ، مع حضور القلب ؛ لأن اللسان ترجمان القلب ، والقلب خزانة مستحفظة الخواطر والأسرار ، ومن شأن الصدر ، أن ينشرح بما فيه من ذكره ، ويلذ إلقاءه على اللسان ، ولا يكتفي بمخاطبة نفسه به في خلواته حتى يفضي به بلسانه ، متأولا قول الله عز وجل: واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين [سورة الأعراف:205] .

فأما الذكر باللسان ، والقلب لاه ، فهو قليل الجدوى ، قال رسول الله: (( اعلموا أن الله لا يقبل الدعاء من قلب لاه ) )رواه الحاكم والترمذي وحسنه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت