وبعد، عباد الله، بين أيدينا أيام فاضلة، يغفل عنها كثير من الناس، وعما فيها من فضل، ومن غفل عن بعض ما فيها من فضل فإنه غافل عن العمل الجاد فيها، وهي من أعظم المواسم التي منحها الله لعباده لتقربوا بها إلى جنابه، وينطرحوا عند بابه، ويالخسارة من يدعوه ملك الملوك إلى كسب ما عنده من أنواع النعم، والملذات التي لا تفنى ولا تبيد ثم هو يفرط فيها ويعرض عنها، ولو دعاه ملك من ملوك الأرض لخدمته مقابل دراهم معدودة، لا تلبث أن تنقضي فإذا هو يسارع إليها مسارعة من يهرب من الموت.
هذه الأيام يا عباد الله هي أيام عشر ذي الحجة، التي تدخل علينا بعد أربعة أيام أو خمسة، في صحيح البخاري عن ابن عباس قال، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَ فِي هَذِهِ الأيام، قَال: الصحابة(وَلَا الْجِهَادُ) ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ.
قال ابن رجب رحمه الله:"دل هذا الحديث على أن العمل في أيامه أحب إلى الله من العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها، وإذا كان أحب إلى الله فهو أفضل عنده [1] ."
عباد الله، وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن أيامها أفضل من أيام العشر الأواخر من رمضان، وأن ليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من لياليها.
وقد أخرج البزار عن جابر بن عبد الله عن رسول الله أنه قال: (( أفضل أيام الدنيا أيام العشر ) ) [2] يعني عشر ذي الحجة وهو حديث صححه الألباني.
ولأجل ما في هذه الأيام من فضل فقد كان السلف الصالح يستثمرون الأوقات فيها بخير عمل، فقد كان سعيد بن جبير رحمه الله إذا دخلت العشر اجتهد اجتهادًا حتى ما يكاد يقدر عليه، وروي عنه أنه قال: (لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر) [3] كناية عن القراءة والقيام.
قال ابن رجب رحمه الله:"لما كان الله سبحانه وتعالى قد وضع في نفوس المؤمنين حنينًا إلى مشاهدة بيته الحرام، وليس كل أحد قادرًا على مشاهدته كل عام، فرض على المستطيع الحج مرة واحدة في عمره، وجعل موسم العشر مشتركًا بين السائرين والقاعدين، فمن عجز عن الحج في عام قدر في العشر على عمل يعمله في بيته، يكون أفضل من الجهاد الذي هو أفضل من الحج".
فمن الأعمال الفاضلة التي ينبغي للمسلم أن يحرص عليها في عشر ذي الحجة:
1-الصيام وهو لا شك من أفضل الأعمال.
وقد ورد أن النبي كان يصوم تسع ذي الحجة. فعن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان النبي يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر. أول إثنين من الشهر والخميس" [أخرجه النسائي (4/205) وأبو داود وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2/462) ] ."
2-التكبير: في مسند الإمام أحمد وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (( ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد ) ).
قال البخاري رحمه الله:"كان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما. والمراد أن الناس يتذكرون التكبير فيكبر كل واحد بمفرده وليس المراد التكبير الجماعي بصوت واحد، فإن هذا غير مشروع."
وعن يزيد بن أبي زياد قال: رأيت سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهدًا ـ أو اثنين من هؤلاء الثلاثة ـ ومن رأينا من فقهاء الناس يقولون في أيام العشر: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
عن ميمون بن مهران قال: أدركت الناس وإنهم ليكبرون في العشر حتى كنت أشبهه بالأمواج من كثرتها، ويقول: إن الناس قد نُقِصوا في تركهم التكبير.
قال ابن القيم رحمه الله:"وهي الأيام العشر التي أقسم الله بها في كتابه بقوله: الْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ [الفجر:1، 2] ، ولهذا يستحب فيها الإكثار من التكبير والتهليل والتحميد".
ويسن الجهر بذلك في المساجد والمنازل والطرقات وكل موضع يجوز فيه ذكر الله إظهاراً للعبادة، وإعلاناً بتعظيم الله تعالى.
ويجهر به الرجال وتخفيه المرأة.
وصفة التكبير: الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد، وهناك صفات أخرى.
والتكبير في هذا الزمان صار من السنن المهجورة ولا سيما في أول العشر، فلا تكاد تسمعه إلا من القليل، فينبغي الجهر به إحياء للسنة وتذكيراً للغافلين.