ثم قال ابن كثير: وأما طوائف الروافض وجهلهم وقلة عقلهم، ودعاويهم أن الصحابة كفروا إلا سبعة عشر صحابيًا، وسمَّوْهم، فهو من الهذيان بلا دليل إلا مجرد الرأي الفاسد عن ذهن بارد، وهوًى متبع، وهو أقل من أن يردَّ، والبرهان على خلافه أظهر وأشهر، مما عُلِمَ من امتثالهم أي الصحابة أوامره بعده عليه الصلاة والسلام، وفتحهم الأقاليم والآفاق، وتبليغهم عنه الكتاب والسنة، وهدايتهم الناس إلى طريق الجنة، ومواظبتهم على الصلوات والزكوات وأنواع القربات في سائر الأحيان والأوقات، مع الشجاعة والبراعة، والكرم والإيثار، والأخلاق الجميلة التي لم تكن في أمة من الأمم المتقدمة، ولا يكون أحد مثلهم في ذلك، فرضي الله عنهم أجمعين، ولعن من يتهم الصادق ويصدق الكاذبين، آمين يا رب العالمين.
تنقص بعض المعاصرين للصحابة
وبعد: فإن كلام العلماء من أهل الحق في ذلك كثير وذكره يطول، وفي هذا القدر كفاية لمن أراد الله له الهداية وسدده ووفقه.
فهل يسوغ لأحد بعد أن عرف هذه النصوص من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وأقوال الصحابة والتابعين وأئمة الهدى، بل أما أجمعت عليه أمة الإسلام إلا من لا عبرة بخلافه نقول: هل يسوغ لأحد بعد ذلك أن يطعن أو يغمز خير الخلق بعد الأنبياء فيشارك بذلك الروافض الذين فاقوا اليهود والنصارى في هذا الشأن، متعلقًا ببعض الأحاديث التي ينبغي لمن أوردها وأراد أن يفهمها أن يضعها بجوار النصوص الكثيرة السالفة الذكر في فضائل الصحابة؟ وذلك حتى يفهمها فهمًا صحيحًا كالذي أراد أن يعيد النظر في تعريف الصحابي، وعدالة الصحابة، وجواز انتقاد الصحابة بناء على ما قرأه من حديث في مسند أحمد، وآخر في السلسلة الصحيحة للشيخ الألباني وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أفارقه"وفي الحديث الآخر:"إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أموت أبدًا". والحديثان يتفقان مع حديث حذيفة الذي يخبر فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعلمه بأسماء المنافقين، فلما علم بذلك عمر استحلف حذيفة أن يخبره"هل أنا منهم؟"وأن الصحابة كانوا يخشون على أنفسهم النفاق، وكذلك الأحاديث التي فيها من يذادون عن الحوض فيقول النبي صلى الله عليه وسلم:"يا رب أصحابي"فيقال له:"إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"فيقول صلى الله عليه وسلم:"ألا فسحقًا ألا فسحقًا"، وكذلك لما أعلم الله نبيه بالمنافقين قال عمر وغيره من الصحابة: أفلا نقتلهم؟ فيقول صلى الله عليه وسلم:"لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه"فالمنافقون كانوا فيما يبدو للناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم يصلون معه في مسجده، ولكنهم كانوا إذا أتت الشدائد يظهر أمرهم باختلاق الأعذار، فالمقصود إذن في هذه النصوص بمن لا يرى النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه أولئك المنافقون الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، ويتمنون لو وجدوا أي مطعن أو فرصة للقضاء على الإسلام وأهله.
فهل يليق بمسلم يؤمن بالله ورسوله وكتابه أن يشارك أهل الباطل من أعداء الإسلام وأعداء السنة بأن يطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن الطعن فيهم إنما هو طعن في الكتاب والسنة لأن الصحابة رضي الله عنهم هم الذين نقلوا لنا القرآن والسنة، والطعن في الناقل طعن في المنقول بل قال بعض العلماء إنه طعن في ذات الله عز وجل، الذي تكفل بحفظ كتابه، فاختار هؤلاء الأصحاب لحفظ الكتاب والدين ونقله لمن بعدهم من التابعين.
نسأل الله تعالى أن يهدينا وإخواننا المسلمين صراطه المستقيم وأن يجنبنا الأهواء والبدع، وأن يحمينا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يباعد بيننا وبين عقائد أهل الباطل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.