وكثيرا ما يتعرض المسلم الملتزم بدينه وهو ينطلق في الحياة يتعامل مع الناس لمثل هذا الموقف ليتخير أحد الطريقين. ولنستعرض على ذلك أمثلة فمن أهم هذه الأمثلة والصور ما يقع للعلماء عندما تظهر المنكرات ويعم الفساد ويطغى الحكام ويصبح واجبا عليهم الإنكار والتغيير وبيان الحق للناس قبل غيرهم، فمن العلماء من لا يفكر إلا فيما يرضي الله عز وجل فيحارب الباطل ويفضح الظالم، وأقل درجات إنكار المنكر الإنكار بالقلب، وليس وراء ذلك إيمان.
ومن العلماء وهم علماء السوء الذين يسيرون في ركاب الحكام وضالة الناس فيرضيهم طمعا بما عندهم أو خوفا من بطشهم ونقمتهم، فلا يأمر ولا ينهى بل يبيعون ذممهم ودينهم بحفنة أموال أو بمنصب عال، ويسرعون إلى عتبات السلاطين بالفتاوى المعلبة الجاهزة، وكم رأينا فتاوى لعلماء السوء في وسائل الإعلام من صحف ومجلات وإذاعات عندما يسألون عن أمور قد تخفى على كثير من الناس كحكم فوائد البنوك وشهادات الاستثمار أو حكم بناء المساجد على القبور أو تلك القوانين الوضعية التي يكبل بها المسلمون أو تلك الموالاة الصريحة لليهود والنصارى، فتجدهم يدورون في فتواهم حول الحق ويداهنون السلاطين.
والذي يفضح لك علماء السوء ويبين أنهم يسعون لرضا سلاطينهم لا إلى رضا الله عز وجل أنك تجد الفتوى الواحدة في المسألة الواحدة تتغير وتتبدل كلما تغير رأي الحاكم أو تبدل اتجاهه أو كلما تغير حاكم وجاء آخر، وكم شاهدنا وقرأنا لمن يكتب في تحريم الربا كله عاما ثم يكتب في حله كذلك عاما آخر، ورأينا من بارك الفجور وإشاعة الفاحشة بين الناس حتى لا يقال عنه متخلف أو متحجر، وحتى لا يتهمه أرباب الصحف في مقالاتهم بأنه يعيش بعقلية القرون الوسطى.
وأقرب الأمثلة على ذلك أنه حدث كلام في لجنة الشؤون الدينية بمجلس الشعب حول استصدار قرار بإلغاء مهرجانات السينما لما فيها من عري وفساد وما لها من تأثير على دين الناس، فاستنكر ذلك صاحب أخبار الناس بجريدة الأخبار، ويبدو أن استنكاره كان موجها لرئيس اللجنة، فسارع رئيس لجنة الشؤون الدينية الذي يحمل درجة الدكتوراه لينفي اللوم عنه وعن جميع أعضاء اللجنة، ولو مجرد التفكير في هذا القرار فقال ردا على المقال: عزيزي محرر صفحة أخبار الناس، بخصوص مقالتك الخاصة بإلغاء مهرجانات السينما في مصر إن الأمر لم يتعد رأيا من الضيوف الذين يحضرون اجتماعات اللجنة، ولم يؤيده أحد من الأعضاء، وبالتالي لم يصدر به قرار.
ومن الصور الخطيرة التي يقف الإنسان فيها ممتحنا إما أن يرضي الله عز وجل، وإما أن يرضي الناس ما يحدث لبعض الدعاة عندما يتعرضون للضغوط، فيحاول أعداء الدعوة أن يساوموا الدعاة للتنازل عن بعض الأمور أو السكوت عنها أو إيجاد خط مودة بينهم في مقابل السماح للدعاة ببعض الحرية.
وكثيرا ما تضعف نفوس وتزل أقدام أمام تلك الضغوط والإغراءات، أضف على ذلك ما يدب في قلوبهم من ملل بسبب طول العداء وكثرة الأذى، فيميل البعض إلى المصالحة والمداهنة في أمور الدعوة، فيقدمون رضا الناس على رضا الله عز وجل، ويخطئون الطريق، فالله عز وجل لا يرضى بالمداهنة في دينه، ولا يرضى بأنصاف الحلول أو أن يتصافح الحق مع الباطل أبداً.
ولعل من الصور التي يقف فيها المرء ممتحنا إما أن يرضي الله عز وجل أو يرضي الناس ما يحدث للشباب عندما يضغط الوالدان الغافلان على أولادهم، فيأمران مثلا بما فيه معصية الله أو عندما يطلب الأصدقاء من صديقهم ألا ينكر عليهم بعض المخالفات التي يرتكبونها وألا يزعجهم بنصائحه وألا قاطعوه وخسرهم.
إن تلك الصور وغيرها كثير لو تأملناها لوجدنا الناس أمامها ينقسمون على العموم إلى قسمين: قسم لا يفكر إلا في رضا الله عز وجل، وقسم تضعف نفسه أمام الضغوط.
ولقد بين عليه الصلاة والسلام لنا عاقبة كل طريق ونهايته.
أما الطريق الأول فقد قال صلى الله عليه وسلم: (( من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس ) )فبين أن الله تعالى تكفل وتعهد بحفظ من يطلب رضاه ويقدمه على رضا الناس كما قال تعالى في كتابه الكريم: أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام .
أليس الله بكاف عبده وقرأ بعضهم: أليس الله بكاف عباده يعني أنه سبحانه وتعالى يكفي من عبده وتوكل عليه ويخوفونك بالذين من دونه يعني المشركين يخوفون الرسول صلى الله عليه وسلم ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها من دون الله جهلا منهم وضلالا، ولهذا قال عز وجل: ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام يعني أليس الله منيع الجناب لا يضام من استند إلى جنابه ولجأ إلى بابه، فإنه سبحانه العزيز الذي لا أعز منه ولا أشد انتقاما منه.