تعريفها لغة: مال ونحوه يستنقذ به الأسير، أو نحوه فيخلص مما هو فيه، قال تعالى: وفديناه بذبح عظيم [الصافات: 107] .
اصطلاحًا: هي البدل الذي يتخلص به المكلف من مكروه توجه إليه، وتكون عند ارتكاب أحد محظورات الإحرام، كحلق الرأس وغيره، وتكون عند ترك واجب من واجبات الحج، وتكون عند الإحصار، وهو منع الحاج أو المعتمر من المضي إلى بيت الله الحرام، قال تعالى: فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي [البقرة: 196] ، وتكون عند الوقوع في الأسر.
الفدية في الحج:
إذا كان الإسلام قد شرع للحاج أن يعيش مدة إحرامه دون أن يقص أو يحلق شعره، قليل العناية بزينة الدنيا، فليس معنى ذلك أن يكلفه شططًا، أو ما لا يحتمل من أذى، فكما أمره بأشياء وحرم عليه أخرى في الحج فإنه جعل له منها بدائل؛ كصيام، أو نفع للفقراء والمساكين بالفدية والكفارات.
والكفارة أخص من الفدية، وهي ما يغطي الإثم. قال تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك [البقرة:196] ، والثلاثة المذكورة في الآية على سبيل التخيير بينها، لأن لفظة «أو» حرف تخيير، والصيام المذكور: ثلاثة أيام، والصدقة: ثلاثة آصع بين ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، ففي حديث كعب بن عجرة: «صم ثلاثة أيام، أو تصدق بِفَرَقٍ بين ستة مساكين، أو انسك ما تيسر» . والفدية في الحج تكون عند: ترك واجب من واجبات الحج.
وقد اتفق الفقهاء على أنه تجب فدية في ترك واجب من واجبات الحج والعمرة، والواجب: ما لا يفسد الحج بتركه، ولكن يجبر تركه بدم؛ أي بذبح شاة.
مثال: ترك الإحرام من الميقات، وترك الوقوف بالمزدلفة، وترك المبيت بمنى ليالي أيام التشريق، وترك الرمي للجمرات، وترك طواف الوداع، ويستثنى المرأة الحائض أو النفساء، إذا طافت طواف الإفاضة من مكة، ولا طواف عليها ولا فدية بتركها طواف الوداع، وهذا قول عامة الفقهاء، إلى غير ذلك من المأمورات التي لا يفوت الحج بفواتها.
الفدية عند فعل محظور من محظورات الإحرام:
ومحظورات الإحرام نوعان:
الأول: يوجب فساد الحج، وهو الجماع.
إذا فسد الحج بالجماع، فإن حكمه وجوب الفدية- الكفارة- والمضي في أفعال الحج حتى يتم، وقضاء الحج، سواء أكانت الحجة التي أفسدها واجبة عليه، أو كانت تطوعًا، لأنها بالدخول فيها والتلبس بها، صارت عليه واجبة.
والفدية لا خلاف في وجوبها، وإنما الخلاف في نوعها، فهي عند الجمهور: بدنة من الإبل، فإن عجز عنها فبقرة، وإن عجز عن البقرة فسبع شياه.
وعند الحنفية: ذبح شاة.
وتكون واجبة على الزوج والزوجة في حالة طاعة المرأة لزوجها في ذلك الجماع حال الإحرام.
وفي حالة إكراه المرأة على الجماع فلا فدية عليها، وتجب هنا على الزوج وحده، وهذا مذهب الحنابلة.
الثاني: محظورات لا توجب فساد الحج، وهي أنواع منها:
1-ما يرجع إلى اللباس.
لا خلاف في وجوب الفدية على المحرم إذا لبس عامدًا ما هو محظور عليه في إحرامه.
2-ما يرجع إلى الطيب:
الاستعمال المحظور للطيب في حق المحرم، هو أن يلصق الطيب ببدنه أو ملبوسه على الوجه المعتاد، فيحرم على المحرم بعد إحرامه تطييب بدنه أو ثوبه أو شيء منهما، وإذا استعمل المحرم أو المحرمة الطيب وجبت عليه الفدية.
3-حلق الشعر أو تقصيره:
لا يجوز للمحرم أن يحلق رأسه قبل يوم النحر؛ لقول الله تعالى: ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله [البقرة: 196] .
ولحديث كعب بن عُجرة عند مسلم قال: فيّ أنزلت هذه الآية: فمن كان منكم مريضا وفيه قال صلى الله عليه وسلم: «أيؤذيك هَوامُّك؟» قال ابن عون: وأظنه قال نعم. قال: فأمرني بفدية من صيام أو صدقةٍ، أو نسك ما تيسر.
4-تقليم الأظفار: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره، وعليه الفدية بأخذها في قول أكثر أهل العلم.
5-الصيد:
أجمعت الأمة على تحريم الصيد في الإحرام، فلا يجوز للمحرم أن يتعرض لصيد البر المأكول، وغير المأكول، وهو الحيوان المباح المتوحش، الممتنع من الناس في أصل الخلقة.
ولا بأس بقتل الحية والعقرب والفأرة والكلب العقور والغراب، لإباحة الرسول صلى الله عليه وسلم قتلها في الحل والحرم.
فأجمع أهل العلم على وجوب الجزاء- الفدية- على المحرم إذا قتل الصيد لقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم [المائدة:95] .
والصيد الذي يجب بقتله الفدية على قاتله هو ما جمع ثلاثة أوصاف هي:
-أن يكون مباحًا أكله، لا مالك له، وحشيًا ممتنعًا.
والفدية: إذا كان الصيد دابة، هو مثل ما قتل من النعم.
وإذا كان الصيد طائرًا فالجزاء فيه يكون بقيمته في موضعه الذي قتله فيه وما لا مثل له من الصيد يخير قاتله بين أن يشتري بقيمته طعامًا فيطعمه للمساكين، وبين أن يصوم.