فهرس الكتاب

الصفحة 6930 من 9994

أيها الإخوة: وعلى الرغم من وضوح ذلك وجلائه، فقد يزل المؤمن أو يخطئ، وقد يصيبه نزغ من الشيطان، أو يمسه طائف منه، وقد يران على قلبه من وسواسه، لكنه سرعان ما يلوذ بربه ويلجأ إلى ذكره، ويتوب إليه من قريب، فيخنس شيطانه إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَئِفٌ مّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ [الأعراف:201] . صلتهم بالله الوثيقة تعصمهم من أن ينساقوا مع عدو الله وعدوهم، يتخلص المؤمن بذكر الله - لجوءاً إلى ربه، واستعاذة به - من نزوات الشيطان ونزغاته، وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت:36] . (( أعوذ بوجه الله الكريم، وكلماته التامات اللاتي لا يجاوزهن بَر ولا فاجر، ومن شر ما ينزل من السماء، وشر ما يعرج فيها. وشر ما ذرأ في الأرض، وشر ما يخرج منها، ومن فتن الليل والنهار، ومن طوارق الليل والنهار، إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن ) ) [3] .

أيها الإخوة، حق على من أراد الخير لنفسه، والسلامة لدينه، ودحر شيطانه، أن ينظر بعين البصيرة لا يهوى الطبع والطمع، وليسلك مسالك التقوى والعلم المكين.

ولقد قال الحسن رحمه الله: إنما هما همَّان يجولان في القلب. هَمٌّ من الله تعالى، وهَمٌّ من العدو، فرحم الله عبداً وقف عند همِّه فما كان من الله تعالى أمضاه، وما كان من عدوه جاهده وتوقاه.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحياةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:5، 6] .

[1] صحيح، أخرجه أحمد (3/483) ، والنسائي: كتاب الجهاد - باب ما لمن أسلم وهاجر... حديث (3134) ، والطبراني في الكبير (6558) ، وحسّن الحافظ إسناده في الإصابة (3/31) في ترجمة سبرة بن الفاكه رضي الله عنه راوي الحديث. وصححه الألباني في صحيح الجامع (1648) .

[2] حسن، أخرجه أبو يعلى (4256) ، والبيهقي (10/104) ، كما أخرجه أيضاً الترمذي: كتاب البر والصلة - باب ما جاء في التأني والعجلة، حديث (2012) ، والطبراني في الكبير (5702) كلاهما بلفظ: (( الأناة من الله... ) )، قال المنذري في الترغيب: رجاله رجال الصحيح (2/284) و (3/280) ، وتبعه الهيثمي في المجمع (8/19) ، وحسّنه الألباني في صحيح الجامع (3088) ، والسلسلة الصحيحة (1795) .

[3] إسناده ضعيف، أخرجه مالك في الموطأ: كتاب الجامع - باب ما يؤمر به من التعوذ، حديث (1773) مرسلاً، وأخرجه أيضاً أحمد (3/419) وفي إسناده جعفر بن سليمان الضبعي وهو لا يُحتمل تفرده. انظر ميزان الاعتدال للذهبي (1/408) .

الخطبة الثانية

الحمد لله المتعالي في مجده وملكه، أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، ومن شر الشيطان وشركه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه بالهدى ودين الحقِّ؛ ليظهره على الدين كله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريته، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

أيها المسلمون، هذه بعض التوجيهات المحمدية، والإرشادات المصطفوية، تحذر من مسالك الشيطان وعوائد إبليس.

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: (( لا يأكلن أحد منكم بشماله، ولا يشربن بها؛ فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها ) ) [1] .

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ) ) [2] .

وعن قتادة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله: (( الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فمن رأى شيئاً يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثاً، وليتعوذ من الشيطان، فإنها لا تضره وإن الشيطان لا يتراءى بي ) ) [3] ، وفي حديث عند مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعاً: (( إذا تثاءب أحدكم، فليمسك بيده على فيه، فإن الشيطان يدخل ) ) [4] .

وفي الخبر الآخر: (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل. فإن"لو"تفتح عمل الشيطان ) ) [5] .

فاتقوا الله رحمكم الله، واستعيذوا بالله ربكم من الشيطان، ومن شره وشركه، ومن همزه ونفثه ونفخه.

[1] صحيح، أخرجه مسلم: كتاب الأشربة - باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما، حديث (2020) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت