وقد حذر الله من مجالسة هؤلاء الذين يمزحون في هذا الباب من الكبائر وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينّك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين [الأنعام:86] .
وقال: وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معه حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً [النساء:140] .
مزاح النبي وهديه في ذلك جاءت صور كثيرة تذكر أن النبي كان يمازح أصحابه ويمازحونه، وهذا يفيد إباحة المزاح إذا خلى عن الحرام كالكذب والترويع.
عن جابر كان رسول الله إذا أتاه الوحي أو وعظ قلت: نذير قومٍ أتاهم العذاب، فإذا ذهب عنه ذلك رأيت أخلق الناس وجهاً وأكثرهم ضحكاً (تبسماً) وأحسنهم بشراً. [قال الهيثمي: رواه البزار، وإسناده حسن] .
عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله إنك تداعبنا قال: (( إني لا أقوال إلا حقاً ) ) [رواه الترمذي ح1990 وأحمد ح8366] .
ومزاح النبي لم يكن للعبث أو لمجرد الترويح، بل كان جزءً من تربيته لأصحابه:
1-المزاح للتحبب
قدم صهيب على النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه تمر وخبز قال: أدن فكل، فأخذ يأكل من التمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن بعينك رمداً ) )، فقال: يا رسول الله: إنما آكل من الناحية الأخرى. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عن أنس أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله احملني، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنا حاملوك على ولد ناقة، قال: وما أصنع بولد الناقة، فقال صلى الله عليه وسلم: وهل تلد الإبل إلا النوق ) ) [رواه أبو داود ح 4998، والترمذي ح 1991] .
عن أنس قال: ربما قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (( يا ذا الأذنين ) ) [رواه الترمذي ح 3828 وأبو داود ح 5002] .
يقول عوف بن مالك الأشجعي أتيت رسول الله في غزوة تبوك وهو في قبة من آدم، فسلمت فرد وقال: (( أدخل فقلت: أكلي يا رسول الله؟ قال: كلك، فدخلت ) ).
قال عثمان بن أبي العاتكة: إنما قال: (أدخل كلي) من صغر القبة. [رواه أبو داود ح5000 وأحمد ح 22846] .
قال كعب بن مرة سمعته يقول: (( ارموا، من بلغ العدو بسهم رفعه الله به درجة ) )قال ابن النمام: يا رسول الله وما الدرجة؟ قال: (( أما إنها ليست بعتبة أمك، ولكن ما بين الدرجتين مائة عام ) ) [رواه النسائي ح3144، وأحمد ح17369] .
وعن أنس أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهراً كان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم الهدية من البادية فيجهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن زاهر باديتنا ونحن حاضروه ) ).
كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه وكان رجلاً دميماً فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره فقال الرجل: أرسلني. من هذا؟ فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم فجعل لا يألوا ما ألصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( من يشتري العبد؟ فقال: يا رسول الله: إذاً والله تجدني كاسداً فقال: صلى الله عليه وسلم، لكن عند الله لست بكاسد أو قال: لكن عند الله أنت غالٍ ) ) [رواه أحمد ح12187] .
وبينما أسيد يحدث القوم وكان فيه مزاح، بينما يضحكهم فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم في خاصرته بعود فقال: أصبرني، فقال: (( اصطبر ) )، قال: إن عليك قميصاً وليس علي قميص، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم عن قميصه فاحتضنه، وجعل يقبل كشحه قال: إنما أردت هذا يا رسول الله. [رواه أبو داود ح5224] .
2-المزاح للمواساة.
وعن أنس: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: (( يا أبا عمير ما فعل النغير ) ) [رواه البخاري ح6129] .
وفي رواية لأحمد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل على أم سليم ولها ابن من أبي طلحة يكنى: أبا عمير، وكان يمازحه فدخل عليه فرآه حزيناً فقال: (( مالي أرى أبا عمير حزيناً ؟ فقالوا: مات نغره الذي كان يلعب به، قال: فجعل يقول: أبا عمير ما فعل النغير ) ) [رواه أحمد ح12489] .
3-المزاح من أجل التربية.
وفيه أن خوات بن جبير الأنصاري كان جالساً إلى نسوة من بني كعب بطريق مكة فطلع عليه رسول الله فقال: (( يا أبا عبد الله مالك مع النسوة؟ ) )فقال: يفتلن ضفيراً لجمل لي شرود، فمضى رسول الله لحاجته ثم عاد فقال: (( يا أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد؟ ) )قال خوات: فاستحيت وسكت، فكنت بعد ذلك أتفرر منه حتى قدمت المدينة فرآني في المسجد يوماً أصلي فجلس إلي فطولت فقال: (( لا تطول فإني أنتظرك ) )، فلما سلمت، قال: (( يا أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد؟ ) )فسكت واستحيت فقام، وكنت بعد ذلك أتفرر منه حتى لحقني يوماً وهو على حمار وقد جعله رجليه في شق واحد.