وعلى التو، وفور وصوله، إذا بهذا الهزبر الذي يقول فيه أبو بكر: لا يهزم جيش فيه القعقاع بن عمرو، إذا به يطالب المبارزة مع كبير الفرس وقائدهم (بهمن جاذويه) فتجالدا حتى قتله القعقاع، فأسقط في يد الفرس، وخارت معنوياتهم، وأكثر المسلمون فيهم القتل، ولم يقاتل الفرس بالفيلة في هذا اليوم لأن توابيتها قد تكسرت بالأمس، فاشتغلوا هذا اليوم بإصلاحها، وألبس بعض المسلمين إبلهم فهي مجللة مبرقعة، وأمرهم القعقاع أن يحملوا على خيل الفرس يتشبهون بها بالفيلة، ففعلوا بهم هذا اليوم، وهو يوم أغواث، كما فعلت فارس في اليوم الأول يوم أرماث، فجعلت خيل الفرس تفر منها، وقاتلت الفرس حتى انتصف النهار، فلما اعتدل النهار تزاحفوا من جديد حتى انتصف الليل.
أصبح القوم لليوم الثالث وبين الصفين من قتلى المسلمين ألفان، ومن جريح وميت من المشركين عشرة آلاف، فنقل المسلمون قتلاهم إلى المقابر والجرحى إلى النساء، وأما قتلى الفرس فبين الصفين لم ينقلوا.
وبات القعقاع لا ينام، فجعل يسرب أصحابه إلى المكان الذي فارقهم فيه بالأمس، وقال: إذا طلعت الشمس فأقبلوا مائة مائة، ففعلوا ذلك في الصباح، فزاد ذلك في هبوط معنويات الفرس.
وابتدأ القتال في الصباح في هذا اليوم الثالث وسمي يوم عمواس، والفرس قد أصلحوا التوابيت، فأقبلت الفيلة يحميها الرجالة فنفرت الخيل، ورأى سعد الفيلة عادت لفعلها يوم أرماث فقال لعاصم بن عمرو والقعقاع: اكفياني الفيل الأبيض، وقال لآخرين: اكفياني الفيل الأجرب،فأخذ الأولان رمحين وتقدما نحو الفيل الأبيض، فوضعا رمحيهما في عيني الفيل الأبيض، فنفض رأسه وطرح ساسته، ودلى مشفره، فضربه القعقاع فوقع لجنبه، وحمل الآخران على الفيل الأجرب، فطعنه الأول في عينه فجلس ثم استوى، وضربه الثاني فقطع خرطومه، فأفلت الأجرب جريحاً، وولى وألقى نفسه في النهر، واتبعته الفيلة وعدت حتى وصلت المدائن، ثم تزاحف الجيشان فاجتلدوا، وفي هذه الليلة حمل القعقاع وأخوه عاصم والجيش على الفرس بعد صلاة العشاء، فكان القتال حتى الصباح، وانقطعت الأخبار عن سعد ورستم، فلم ينم الناس تلك الليلة، وكان القعقاع محور المعركة.
فلما جاءت الظهيرة كان أول من زال عن مكانه قائد الفرس والهرمزان فانفرج القلب، وأرسل الله ريحاً هوت بسرير رستم، وعلاه الغبار، ووصل القعقاع إلى السرير فلم يجد رستم الذي هرب واستظل تحت بغل فوقَه حمله، ثم أدركه أحد المسلمين فقتله ثم صعد طرف سريره وقال: قتلت رستم ورب الكعبة، إليّ إليّ.
فانهارت حينئذ معنويات الفرس فانهزموا، وعبروا النهر فتبعهم السسلمون يخزونهم برماحهم فسقط من الفرس في النهر ثلاثون ألفاً.
وهناك في المدينة المنورة، حيث عمر بن الخطاب القائد الأعلى للقوات المسلحة، مشغول الفكر بأمر القادسية، فكان يخرج كل يوم متنسماً أخبار جيشه منذ الصباح إلى انتصاف النهار لعله يرى من يزف له البشرى بالنصر.
وفي اليوم الذي ورد فيه البشير لقيه عمر، وهو يسرع على ناقته، فسأله عمر: من أين؟ فأخبره أنه من قبل سعد بن أبي وقاص، آت من القادسية، فقال عمر: يا عبد الله حدثني، قال: هزم الله العدو، كل هذا، والبشير مسرع على ناقته يريد أن ينقل الخبر إلى أمير المؤمنين، ولم يعرف أن الذي سأله هو أمير المؤمنين، وعمر يجري وراءه يستخبره الخبر، حتى دخل المدينة، فسلم الناس على عمر بأمير المؤمنين، فقال الرجل: هلا أخبرتني رحمك الله، أنك أمير المؤمنين، وعمر يقول: لا عليك، فنادى: الصلاة جامعة، وزف إلى المسلمين بشرى النصر، وقرئ كتاب الفتح، ومما جاء في الكتاب: (وأصيب سعد، وعبيد القارئ، وفلان وفلان، ورجال من المسلمين لا نعلمهم الله بهم عالم، كانوا يدوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل، دوي النحل، وهم آساد لا يشبههم الأسود) .
عباد الله، ها هي القادسية، إحدى المعارك الكبرى في تاريخ الحروب العالمية، حلقة ذهبية في سلسلة الوقائع التي فتحت أبواب العالم، لنور الإسلام، بدر، واليرموك، وجبل طارق، وعين جالوت، وحطين، ومعركة أخرى يا أبناء سعد، وخالد والقعقاع، إنها معركة تل أبيب، التي سيسطرها التاريخ، ويقرأ أولاد المسلمين في المدارس، قصة طرد اليهود من فلسطين، حيث لا تغيير في مناهج التعليم ولا طمس لانتصارات هذه الأمة.
نعم، وإنا لها، ما فقدنا سلائقنا، ولا أضعنا إرثنا من أولئك الأبطال، نعم وإنا في قلوبنا لذلك الإيمان، وعلى ألسنتا لذلك الهتاف، وفي سواعدنا لهاتيك العزائم، وإن الشعب الذي أطاح تيجان كسرة وقيصر، وخاقان، قادر على أن يطيح رأس صهيون.
أرى للفجر إرهاصا قريباً برغم الليل أوشك بالزهاء
سنأخذ ثأرنا من كل باغ ونطعمه مرارات البلاء
فيا صهيون ويلك من جموع تحب الموت حبك للبقاء
سيرفع صوتها: الله أكبر مد وية بأكناف الفضاء
ويرجع قدسنا المنهوب منا ولو سالت سيول من د ماء