فهرس الكتاب

الصفحة 6834 من 9994

فابن تيمية احتسب على نصراني شتم نبينا محمداً -صلى الله عليه وسلم-، وذلك سنة 693هـ، وألّف كتابه النفيس «الصارم المسلول في الردّ على شاتم الرسول -صلى الله عليه وسلم-» ، ولما تحدّث عن أنواع السبّ في هذا الشأن، قال ـ رحمه الله ـ: «التكلم في تمثيل سبّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وذكر صفته، ذلك مما يثقل على القلب واللسان، ونحن نتعاظم أن نتفوه بذلك ذاكرين أو آثرين..» (1) .

فغيرة ابن تيمية تجعله يتعاظم مجرد تصوير مسألة السبّ وحكايتها، لولا أن الحكم الشرعي يقتضي ذلك، وهذه الغيرة الصادقة اقترن بها المسلك الشرعي الملائم؛ فقد كلّم شيخ الإسلام الأميرَ آنذاك، وسعى في الاحتساب على ذاك النصراني المخذول، وألّف كتابه «الصارم المسلول» بعد هذه الواقعة.

وها هو السبكي ـ رحمه الله ـ يقول ـ في مطلع كتابه «السيف المسلول على من سبَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم-» عن سبب تصنيفه ـ: «كان الداعي إليه أن فُتيا رُفعت إليّ في نصراني سبّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يُسْلم، فكتبتُ عليها: يُقتل النصراني المذكور كما قَتَل النبي -صلى الله عليه وسلم- كعبَ بن الأشرف، ويُطهّر الجناب الرفيع من ولوغ الكلب.

لا يَسلمُ الشرفُ الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم

إلى أن قال: وليس لي قدرة أن أنتقم بيدي من هذا الساب الملعون، والله يعلم أن قلبي كارهٌ منكر، ولكن لا يكفي الإنكار بالقلب ها هنا، فأجاهد بما أقدر عليه من اللسان والقلم، وأسأل الله عدم المؤاخذة بما تقصر يدي عنه، وأن ينجِّيني كما أنجى الذين ينهون عن السوء، إنه عفوّ غفور» (2) .

فالسبكي بلغتْ غيرته ما بلغت، وصاحبَ ذلك موقفٌ عملي من خلال تحرير هذه الفتيا وكتاب «السيف المسلول» .

وهذا ابن عابدين ـ رحمه الله ـ يقول عن شقيٍّ استطال على سيد المرسلين: «وإن كان لا يشفي صدري منه إلا إحراقه وقتله بالحسام..» (3) .

والمقصود أن نجمع بين إحياء هذه الغَيْرة الإيمانية وتحريكها، وبين ضبطها وفق الأصول الشرعية والمصالح المرعية.

لعل هذه الحادثة تكون سبباً إلى فقه التعامل مع أهل القبلة، والتعاون مع أهل الإسلام في الأصول المتفق عليها، دون الإخلال بثوابت أهل السنة ومعالمهم؛ فالذب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- محل اتفاق بين أهل الإسلام، ومدافعة التغريب والهيمنة الأمريكية كذلك.. وما أكثر القضايا التي هي محل إجماع بين أهل الإسلام. فمن المهم أن نبعث هذ التعاون والتنسيق بين أهل الإسلام، مع المحافظة على شعائر أهل السنة وأصولهم، لما في ذلك من المقاصد الشرعية، ونفوذ أهل الإسلام وتقويتهم.

فلقد تعاون أهل الإسلام من قبل ـ في القرن الرابع الهجري ـ في مواجهة المدّ العُبَيْدي الباطني، فكتب المعتزلة والزيدية والأشاعرة ـ وكذا أهل السنة ـ في فضح الباطنيين وهتك أستارهم.

فاللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعزّ فيه أهل الإيمان، ويُذلّ فيه أهل الكفر والطغيان.

معالم من تلك الحادثة

(*) أستاذ مساعد في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة ـ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ الرياض ـ السعودية.

(1) الجواب الصحيح، لابن تيمية: 1/ 13، 14.

(2) تعليق محمد رشيد رضا على كتاب صيانة الإنسان للسهسواني، ص 244.

(1) السيف المسلول: ص 113 ـ 114.

(2) الصارم المسلول: 3/1005.

(3) رسائل ابن عابدين: 1/293.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت