ما أعظم هذه النفوس وهذه الغايات ! سعادة عندما يقدم لله - عز وجل - .. سعادة عندما يفرّج كربة أخيه المسلم ، سعادة عندما يتابع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ما أعظم أن ينشغل الناس بسفساف القول كذباً ودجلاً .. نفاقاً وتذمراً .. وغيبة ونميمة ، ولا تزال أنت - أيها العبد المؤمن - مرطباً لسانك بذكر الله .. مسبحاً لمالك السموات والأرض - سبحانه وتعالى - .. ما تزال تستغفر كما كان المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يستغفر في اليوم والليلة سبعين مرة . - وفي روايات أخرى - مائة مرة .
ما تزال تلهج بذكر الله - عز وجل- متبعاً وصية رسولك - صلى الله عليه وسلم - ( لا يزال لسانك رطباً بذكر الله ) ، وكذلك تشنف أذنك ، وترطب لسانك بتلاوة القرآن ، والناس ساهون لاهون ، وفي غيهم يعمهون ، وأنت تثلج صدرك ، وتطمئن قلبك ، وترطب لسانك بتلك الآيات العطرة ، في صخب هذه الحياة الداوية .. في هذه الأعصر التي كثر فيها قول الباطل .
مفاتيح سعادة المسلم
يبقى المسلم متميزاً لأنه لا يفتر ولا ينأ عن ذكر الله - سبحانه وتعالى - ويشعر بمدى التوجيه الإلهي الرباني الذي جاء مؤكداً ومطلقاً ، مما يدل على أفاق واسعة من هذا الأمر العظيم { يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً } أي لا حد له ولا منتهى ولا وقت ولا زمان ولكنه في الليل وفي النهار .. تسبيح في الغدو والآصال .. ذكر ودعاء لله - سبحانه وتعالى- تستفتح فيه يومك وتفتح لك فيه أبواب الرضى ، وأبواب الهناء ، وأبواب الرزق وأبواب السعادة في الدنيا ، وتختم به ليلك ونهارك ويومك ،فإذا بك تطمئن في كنف الله ، وإذا بك تبيت في حفظ الله ، وغيرك قد تسلطت عليه المردة والشياطين، وذاك يمسه جن ، وذاك يركبه شيطان وأنت محفوظ بإذن الله - سبحانه وتعالى - ما أعظم هذه السعادة ! وما أجل هذه النعم والمنن ! .
والناس في ليلهم صاخبون ، وبعضهم في المعاصي غائصون ، ويحيون السهرات الماجنة ، ويعيشون مع الأفلام الداعرة ، وأنت - أيها العبد المؤمن - في خلوة من صخب الحياة إلى هدوء الليل وقمت تختلس تلك الركيعات بين يدي الله - سبحانه وتعالى - في ذلك الوقت الذي هو أعظم وقتاً ، وفيه أعظم منة ، كما أخبر النبي - عليه الصلاة والسلام: ( ينزل ربنا إذا بقي الثلث الأخير من الليل فينادي: هل من سائل فأعطيه ؟ هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ وذلك الدهر كله ) ، فكيف يحضى أولئك الغافلون وأولئك العاصون بهذه المنن ؟ إنهم عنها والله لمحرومون ، وأنت إن كنت من أهل الليل .. إن كنت من أهل مناجاة الأسحار .. إن كنت من أهل ذرف الدموع في تلك الأوقات الفاضلة ، المكثرين من التلاوة والأذكار ، المداومين على الدعاء والاستغفار ؛ فإنك حضي وحري بأن تنال موعود النبي - صلى الله عليه وسلم: ( أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام وصلّوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا جنة ربكم بسلام ) ، ما بال الناس يستيقظون وعلى وجوههم قتر وفي جباههم تجهّم ؟! والمؤمن الوحيد كما أخبر النبي - عليه الصلاة والسلام - هو الذي ينشرح صدره ، ويبدأ يومه بهذه العبادة والمناجاة لله - سبحانه وتعالى - كما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - عليه الصلاة والسلام - ( يضرب الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة يقول: نم عليك ليل طويل ، فإذا استيقظ وذكر الله انحلت عقدة ، فإذا قام وتوضأ انحلت الثانية ، وإذا صلى انحلت عقده كلها وأصبح نشيط النفس وإلا أصبح خفيف النفس كسلان ) .
أنت - أيها العبد المؤمن - بيدك مفاتيح السعادة بين يديك خيرات وثروات عظمى ، فيها سكينة النفس ، وطمأنينة القلب ، ولذة الحياة ، وحسن القول ، وجميل ما يصنع ، وأحسن ما يعمل من الأعمال الصالحة ، فما أعظم هذا التميز وهذا التأهيل الذي يمكن للعبد المؤمن أن يكون فيه فريداً بين كل من لم يكون على منهج الله - سبحانه وتعالى - وما بالنا حرمنا هذه النعم ؟ لأننا لم نرتبط بها حق الارتباط ، ولم نؤدها حق الأداء ، لم نشعر بتلك اللذة التي كان النبي - عليه الصلاة والسلام - يقول فيها: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) ، منتهى السعادة ، منتهى السرور ، منتهى الانشراح ، منتهى الإقبال واللذة في تلك العبادة ، فأي أحد لا يحب الإقبال على ما يسره مما يحبه ويميل إليه قلبه !! إنه إذا وجد شيئاً يحبه أقبل عليه وتعلق به ، وبذل لأجله كل شيء ، ولذلك كان - عليه الصلاة والسلام - إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة فإذا بالطمأنينة ،وإذا بالسعادة ، وإذا باليقين الراسخ ينبعث في القلب من جديد ، ويحيي في النفس حياةً قوية راسخة ، ولذلك كان يقول - عليه الصلاة والسلام -: (أرحنا بها يا بلال ) .
فلنرتح من تعب الحياة ، ومن سخطها في ظل العبادة والخشوع والخضوع لله - سبحانه وتعالى - فإن هذا طريق بإذن الله - عز وجل - موصل إلى سعادة الدنيا ، وإلى نجاة الآخرة .