فهرس الكتاب

الصفحة 6573 من 9994

الأضاحي من شعائر الله التي يتقرّب إلى الله عزّ وجلّ بها كما قال تعالى: ?وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ? (1) . حافظ عليها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحرص، وكان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يضحي عنه وعن أهل بيته بكبش، وفي بعض الأحاديث ضحى بكبشين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ.

فينبغي لنا أن نحرص على هاذه السنة وأن نظهرها، وأن نعلم أن المقصود من الأضحية التقرب إلى الله تعالى بالذبح، لا المقصود اللحم ولا الدم ولا ما إلى ذلك من المقاصد، قال الله تعالى: ?لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ? (2) . فالذي يبلغ الله جل وعلا من العبد هو ما يقوم في قلبه من تعظيم الله عزّ وجلّ، من تقواه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

فينبغي لنا أن نحرص على هذه السنة وعلى هذه الشعيرة، وأن نظهرها في بيوتنا وفي بلداننا، وبين أهلينا حتى يعرفوها، فإن من الناس من يقصر في ذلك ويكتفي بالصدقة بقيمتها أو يبعثها إلى جهات خارجية، فيفوته بذلك خير كثير وسنن كثيرة.

أيها الإخوة الكرام: إن من الأعمال الصالحة التي نُدبنا إليها في هذه الأيام ما يكون من صيام يوم عرفة، فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن صوم يوم عرفة فقال: (( إني أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والباقية ) ). وفي رواية أخرى سئل عن صوم يوم عرفة فقال: (( يكفر السنة الماضية والباقية ) ) (3) .

فينبغي علينا أن نحرص على صيام هذا اليوم، أما ما عدا هذا اليوم من بقية الأيام التسعة قبل اليوم العاشر فإن صيامها لم يرد عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لكنها من الخير والفضل الذي ينبغي المسابقة إليه والأخذ به؛ لدخوله في عموم قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام ) ) (4) .

أيها الإخوة الكرام: ما هي إلا أيام، ما هي إلا ساعات، ثم تنقضي، ويصبح ذو الأعمال فرحاً، يصبح صاحب العمل فرحاً بعمله، مسروراً بما قدم.

فينبغي لنا أن نحرص على الاستكثار من الأعمال الصالحة طاقتنا وجهدنا، وأن نحتسب الأجر عند الله عزّ وجلّ في ذلك كله.

أيها الإخوة: إن من رحمة الله عزّ وجلّ أن منّ علينا بهذه المواسم التي يتعرض فيها عباد الله الصالحون لنفحات الله جل وعلا ومواهبه وكرمه، فإذا عجز الإنسان عن شيء من ذلك فإنه ينبغي له أن لا يعجز عن عمل لا يعجز عنه إلا عاجز، وهو ما جاء في الصحيحين من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: (( الإيمان بالله والجهاد في سبيله ) ). قال: قلت: يا رسول الله أي الرقاب أفضل؟ قال: (( أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمناً ) ). قال: قلت: يا رسول الله فإن لم أفعل؟ يعني: إن لم أفعل بالعمل الذي ذكرت المتقدم من أفضل الأعمال وأفضل الرقاب. قال: (( تعين صانعاً، أو تصنع لأخرق ) ). أي تعين إنساناً يحتاج إلى إعانة، أو تصنع لضعيف لا يستطيع الصناعة.

قال: قلت: يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ يعني: أرأيت إن عجزت عن هذا أيضاً، قال: (( تكف شرك عن الناس، فإنه صدقة منك على نفسك ) ) (5) . وهذا لا يعجز عنه إلا عاجز، فإن كف الإنسان شره عن غيره مما يستطيعه كل أحد.

فينبغي لنا أن نكف شرورنا عن الآخرين، فإن الشرور تعظم وتضاعف وتغلّظ في أيام البر والخير، كما أنها تعظم وتغلظ عقوبتها في الأماكن المباركة، قال الله تعالى في حق المسجد الحرام: ?وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) ? (6) . وكذلك في الأزمنة المباركة تغلظ العقوبات.

قال ابن القيم رحمه الله في انتهاك الحرمات ومواقعة السيئات في ليلة الجمعة: وقلّ أن يترك الله جل وعلا من عصاه في ليلة الجمعة.

وذلك أنها ليلة مباركة، هي ليلة خير أيام الأسبوع، فكان انتهاك حرمة الزمان من أسباب العقوبات.

نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يعيننا وإياكم على البر والتقوى، وأن يستعملنا فيما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من عباده المتقين ومن حزبه المفلحين ومن أوليائه الصالحين.

اللهم إنا نسألك أن تأخذ بنواصينا إلى ما تحب وترضى، وأن تصرف عنا السوء والفحشاء، أن تجعلنا من خير عبادك وأسعدهم بك يا رب العالمين.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والرشاد والغنى.

اللهم أعنا ويسرنا لنا الهدى يا رب العالمين. اللهم اهدنا ويسر الهدى لنا. اللهم يسر الهدى لنا.

اللهم انصرنا على من بغى علينا.

(1) سورة: الحج (36) .

(2) سورة: الحج (37) .

(3) مسلم: كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر والصوم يوم عرفة.. حديث رقم: 1162.

(4) تقدم تخريجه صفحة (10) .

(5) البخاري: كتاب العتق، باب أي الرقاب أفضل؟ حديث رقم: 2518.

مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله أفضل الأعمال، حديث رقم: 84. واللفظ له.

(6) سورة: الحج (25) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت