فهرس الكتاب

الصفحة 6446 من 9994

فالعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة2. والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقاراً إليه وخضوعاً له ، كان أقرب إليه ، وأعزّ له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق: أعظمهم عبودية لله، وأما المخلوق فكما قيل: احتجْ إلى من شئت تكن أسيره ، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره . فأعظم ما يكون العبد قدراً وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه ، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم ، كنت أعظم ما يكون عندهم ، ومتى احتجت إليهم - ولو في شربة ماء - نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم ، وهذا من حكمة الله ورحمته ، ليكون الدين كله لله ولا يُشرَك به شيء3.

وكمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله-تعالى-، وكلما ازداد العبد تحقيقاً للعبودية ازداد كماله وعلت درجته4.

فحاجة الإنسان إلى عبادة الله -تعالى - ضرورية، وفوق كل حاجة ضرورية، يقول ابن القيم - في هذا الصدد:"اعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم ، والسجود والتقرب، أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به ؛ فإن حقيقة القلب روحه وقلبه ، ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره.. ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له ، ورضاه وإكرامه لها"5. فحقيقة العبد قلبه وروحه ، ولا صلاح لها إلا بإلهها، الله الذي لا إله إلا هو, فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره ، وهي كادحة إليه كدحاً فملاقيته، ولا بد لها من لقائه ، ولا صلاح لها إلا بلقائه فلو حصل للعبد لذّات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع ، ومن شخص إلى شخص ، وتارة أخرى يكون ذلك الذي يتنعم به ويلتذ به غير منعم له ولا ملتذ به ، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنه، ويضره ذلك6.

فالعبادة غاية الخضوع لأمر الله، وغاية محبته فمن أطاعه، ولم يحبه لا يكون عابداً له، ومن أحبه، ولم يخضع له لا يكون عابداً له.

تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقال شنيعُ

لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيعُ

فالغاية العظمى، والهدف النبيل من هذه العبادة هي غذاء النفس ، فكما أن الجسم غذاؤه الطعام والشراب فالنفس غذاؤها العبادة، فليس الإنسان هو الغلاف المادي الذي نحسه ونراه ، ولكن حقيقة الإنسان هو ذلك الجوهر النفيس الذي صار به سيد المخلوقات، هذا الجوهر الذي يحيى ويسعد بذكر الله والإقبال عليه، ويهلك ويشقى بالغفلة والبعد عنه.

أيها المسلمون: إن القلب الإنساني دائم الشعور بالحاجة إلى الله، وهو شعور أصيل لا يملأ فراغه شيء في الوجود إلا حسن الصلة برب الوجود، وهذا هو جوهر العبادة . فالعبودية الخالصة لله-جل جلاله-هي عين الحرية، وسبيل السيادة الحقيقية، فهي وحدها تعتق القلب من رق المخلوقين، وتحرره من الذل ، والخضوع لكل ما سوى الله من أنواع الآلة والطواغيت ، التي تستعبد الناس ، وتسترقهم.

عباد الله: إن العبادة حق الله على عباده ، فعن معاذ بن جبل-رضي الله عنه-قال: كنت رديف النبي-صلى الله عليه وسلم- فقال لي:"يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟"قلت: الله ورسوله أعلم ، قال:"حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً"7 .

فالعبادة هي: التقرب إلى الله تعالى بما شرعه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، وهي حق الله على خلقه وفائدتها تعود إليهم، فمن أبى أن يعبد الله فهو مستكبر، ومن عبد الله وعبد معه غيره فهو مشرك، ومن عبد الله وحده بغير ما شرع فهو مبتدع، ومن عبد الله وحده بما شرع فهو المؤمن الموحد. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، والهادي إلى صراطه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت