فهذا توجيه النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لو شئت حبست أصلها يعني أبقيتها كما هي ولم تنتقل ملكيتها ، وإنما أوقف تداول ملكيتها ثم يكون ريعها وثمرتها في وجوه البر والخير ، وكتب عمر هذا ا لتخصيص الذي أشرنا إليه في الفقراء والمساكين والغزاة والضيفان وغير ذلك مما أشرنا إليه ، وتتابع الصحابة في الوقف على وجوه البر والخير ، وانتشر ذلك بينهم بل إنهم أول من أوقف ما يسمى عند الفقهاء بالوقف الأهلي أو الذرِّي ، أي الذي يوقف ويكون ريعه لذرية الرجل من بعده، وقد صنع ذلك الزبير بن العوام - رضي الله عنه - إذ كان له بعض الدور فأوقفها لا تباع ولا تورث ولا توهب ، وجعلها في منفعة بنيها في سكناها وفي انتفاعهم منها ، بل قال: إن للمطلقة المردودة أن تقيم فيها حتى إذا تزوجت ليس لها فيها حق أما طالماً لم تتزوج ؛ فإنها تبقى فيها ، وهكذا لسنا بصدد السرد التاريخي ، وهكذا توسّعت الأوقاف بدأت منذ عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة ، ثم توسّع الأمر ، فكان الوقف بعد ذلك يتسع في الإنفاق بمعنى في مصارفه ، فقد كان أولاً في دور العبادة في المساجد ثم على الفقراء والمساكين ، ثم توسّع بعد ذلك فصار يشمل التعليم بأنواعه ، فصار الوقف على المدارس والمعاهد ، ثم صار على المكتبات والكتب ، ثم توسع أيضاً فأصبح على المستشفيات والمساكن وتوسع أيضاً ليشمل الغزاة في سبيل الله .
وتوسّع في الحقيقة في تاريخ الأمة الإسلامية حتى إنه يصدّق القول فيه في أنه مر في تاريخ الأمة أوقات كل شيء بالمجان لمن أراده ممن يستحقه ، إن أراد تعليماً أو أراد تطبيباً أو سكناً أو أراد ماءً أو أراد شيئاً أو شيء من الأمور التي يحتاجها الناس ؛ فإنه واجد في أوقاف المسلمين من التنوع والشمول ما يغطي هذه الحاجات كلها، وعلى هذا يكون معنى الوقف معلوماً كما عرفه بعض الفقهاء بأنه حبس العين على حُكم مُلك الله - جل وعلا - والتصدق بالمنفعة ، فيكون أصل الوقف ليس له مالك ، بل صارت ملكيته لله - عز وجل - ومنفعته أيضاً كذلك ، أما بدايتنا فنحن سنسيح ونجول هكذا بدون نوع من التقسيم والتبويب ؛ لنرى كيف كان الوقف يغطي جوانب الاحتياج المهم ، وكيف أدّى ذلك إلى نهضة علمية وعملية ، وحضارية واجتماعية واقتصادية في حياة الأمة الإسلامية حتى فاق ما حصل في فترات تاريخنا ما هو أكثر من التصور ، وسنبدأ في غالب الأحوال
بالتعليم .
الوقف في الخدمات التعليمية
والوقف على التعليم كان شاملاً يبدأ من الكتاتيب ، وهي الأماكن التي يعلّم فيها صغار الصبيان القراءة والكتابة، وبلغت الكتاتيب هذه أعداداً هائلة في كل بلاد الإسلام ، وكلها كان ينفق عليها من الأوقاف التي يوقفها الأمراء والعلماء والتجار والوجهاء ، حتى إن ابن حوقل أحد المؤرخين يذكر أنه في صقلية وحدها أكثر من ثلاثمائة كُتَّاب ، كل واحد فيه أعداد كبيرة بل كان ابن حوقل في كتابه عن خريطة الأرض وهو ليس بمسلم ، كان يكتب ما يكشف عن غيظه وهذه المدينة في شيء عجيب وهي كثرة الكتاتيب ، ثم يقول:"كأنهم ليس عندهم هم إلا أن يفتتحوا هذه الكتاتيب ويزيدوا منها".
ولم يكن في الكتّاب معلم واحد بل كان فيه أكثر من خمسة معلمين ، وذكر أبو القاسم البلخي في بلاد ما وراء النهر أن بعض الكتاتيب كانت تتسع لثلاثة آلاف طالب ، ينفق عليها وعلى المدرسين فيها من أموال الوقف من غير مِنَّة لأحد ومن غير فضل لأحد عليها .
ألواح الطلبة موقوفة
ويثْبِت المؤرخين أن هذه الدائرة توسعت كثيراً حتى إن بعض المؤرخين مثل النعيمي في"الدارس من تاريخ المدارس"، أن هناك أوقاف خصصت لشراء ألواح للطلبة يأتي هو بدون أي شيء الألواح توفر له من الأوقاف والمعلِّم موفَّر من الأوقاف ، وإن كان الطلاب من الفقراء أيضاً يعطون أموالاً ويعطون طعاماً .
المداد ممدود
بل إن ابن زريق - أحد المماليك - أوقف الأموال خاصة لتجهيز الأقلام والمداد وما يشبه ذلك وما يحتاج من ورق ومحابر ، يعني جميع الاحتياجات التعليمية متوفرة بالمجان ، ليس فقط التعليم بل أدوات التعليم والمدرسين والأماكن والمقرات كلها كانت على هذا النحو ، وفي الحقيقة الناظر في التاريخ سيجد أنه يمكن أن يقف على بلد واحد من بلاد الإسلام في تلك العصور ليتوسع في الحديث عنها عن هذه المناحي حتى لا يكاد أن يستطيع أن يغطّي أو أن يحيط بما في بلدٍ واحد .
مدارس الجامعات
ويلحق بهذه الكتاتيب المستوى الأعلى الذي يعتبر مدارس ، بداية المدارس كانت ملحقة بالمساجد ، بعد أن كانت في داخل المساجد ، ثم أصبحت بعد ذلك مستقلة ويلحق بها المساجد ؛ حتى تؤدى فيها الصلوات والمدرسة هي الأصل ، والمدارس السابقة تسميتها بالمدارس اصطلاحي ، وإلا أنها في حقيقتها كان بعضها في حقيقة الجامعات ، ولم تكن مقصورة على تدريس العلوم الشرعية والعربية ، بل صارت تدرّس علوم الطب والكيمياء والصيدلة وغيرها من المآثر التي سنذكرها.