فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 9994

فيبلغ الناس من هول وفزع ذلك اليوم مبلغًا رهيبًا، ويلجمهم العرق إلجامًا، وذلك اليوم مقداره خمسين ألف سنة، وفي تلك المدة كلها والناس قيامًا، شاخصة أبصارهم، فزعة قلوبهم، لا يقدرون على الكلام، ولا أحد يخلصهم من هول ذلك الموقف العصيب، حتى إذا بلغ الكرب منهم مبلغه، فيلهمهم الله في طلب الأنبياء في الشفاعة لهم بالتخليص من هول ذلك الموقف، فياتون نوحًا، ثم من بعده من الأنبياء، وكلهم يقول:"نفسي نفسي"اذهبوا إلى غيري، حتى يتنهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فينطلق صلى الله عليه وسلم فيأتي تحت العرش فيقع ساجدًا لله عز وجل، ثم يفتح الله عليه من محامده، وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبله، ثم يقال له:"يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع"10.

وهذه الشفاعة العظمى هي المقام المحمود التي حمد فيه محمد من قبل الخالق - جل وعلا - ومن قبل الخلق من بعد ذلك، وهو المذكور في قوله تعالى: { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا } سورة الإسراء (79) .

وأكثر أهل التفسير أن المراد بالمقام المحمود هو الشفاعة، قال ابن جرير الطبري: قال أكثر أهل العلم ذلك هو المقام الذي يقومه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم11.

ونقل ابن حجر- رحمه الله-: عن ابن بطال قوله: والجمهور على أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة، وبالغ الواحدي فنقل فيه الإجماع12.

وعن عبد الله بن عمر أيضًا - رضي الله عنهم-: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الشمس تدنوا يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبيناهم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى، ثم بمحمد فشفع ليقضي بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب، فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا يحمد أهل الجمع كلهم"13.

بل لقد جاء التصريح عن المعصوم صلى الله عليه وسلم أن المقام المحمود هو الشفاعة، فعن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهم- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة"14.

إضافة إلى هذه الشفاعة العظمى فإن لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم شفاعات أخرى خاصة به دون غيره من الأنبياء، منها:

1.شفاعته في استفتاح باب الجنة.

2.شفاعته في تقديم من لا حساب عليهم ولا عقاب في دخول الجنة.

3.شفاعته فيمن استحق دخول النار من الموحدين أن لا يدخلها.

4.شفاعته في إخراج عصاة الموحدين من النار.

5.شفاعته في رفع درجات ناس في الجنة .

6.شفاعته في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب .

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"آتي باب الجنة يوم القيامة، فاستفتح فيقول الخازن: من أنت ؟ فأقول محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك"15.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث الشفاعة الطويل وفيه"... يا محمد رفع رأسك ، سل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقول: يا محمد، أدخل من أمتك من لاحساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب"16.

وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال:"نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار"17.

رسالة عامة:

قوله:"كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة"كان كل نبي ورسول يبعث إلى قومه خاصة؛ كما قال تعالى عن نوح: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} سورة الأعراف (59) .

وقال تعالى عن شعيب: { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } سورة الأعراف (85) .

وأما نبينا فقد اختصه عن بقية الأنبياء والرسل بأن جعل رسالته عامة لجميع الخلق عربهم وعجمهم، جنهم وإنسهم، قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام - رحمه الله -: ومن خصائصه: أن الله - تعالى- أرسل كل نبي إلى قومه خاصة، وأرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الجن والإنس ، ولكل نبي من الأنبياء ثواب تبليغه إلى أمته، ولنبينا صلى الله عليه وسلم ثواب التبليغ إلى كل من أرسل إليه، تارة لمباشرة البلاغ، وتارة بالنسبة إليه، ولذلك تمنن عليه بقوله تعالى {: وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا } سورة الفرقان (51) ووجه التمنن: أنه لو بعث في كل قرية نذيرًا لما حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أجر إنذاره لأهل قريته 18.

وقد جاء ت النصوص من الكتاب والسنة على إثبات هذه الخصوصية، قال الله - تعالى-: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } سورة سبأ (28) .

وقال تعالى: { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} سورة الأعراف (158) .

وقال تعالى: { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } سورة الفرقان (1) .

وقال تعالى: { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} سورة الأقحاف (29) .

وحديث جابر الذي ذكرناه سابقًا دليل على ذلك، وقد جاء في رواية:"كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود"19.

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار"20.

بعض فوائد الحديث:

1.إثبات أفضيلة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على غيره من الأنبياء، حيث أن الله أختصه وأكرمه من بين سائر الأنبياء بخصائص كثيرة أوصلها بعض أهل العلم إلى ستين خصلة؛ كما ذكر ذلك أبو سعيد النيسابوري المتوفي سنة 406هـ في كتابه شرف المصطفى21.

2.أن الله نصر نبيه صلى الله عليه وسلم بالخوف والفزع، حتى ولو كان لوحده؛ فإن أعدائه يهابونه وهم بعيد عنهم مسيرة شهر من أمامه، ومسيرة شهر من خلفه.

3.أن الله رفع عنه وعن أمته الحرج والمشقة فقد جعل الأرض لهم مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل منهم أدركته الصلاة، فمسجده حيث أدركته الصلاة، وطهوره كل ما على وجه الأرض.

4.أهمية المحافظة على الصلاة في وقتها؛ كما قال الله - تعالى-: { إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا } سورة النساء (103) .

وكما جاء في حديث جابر بن عبد الله- رضي الله عنه- قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"فأيما رجل أدركته - وقت الصلاة- الصلاة فليصل"ولا يجوز له تأخير الصلاة بأي حال من الأحوال.-

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت